Saturday, June 19, 2010

الجورب المفتوق

عادة ما يشعر أحدهم بالخجل الشديد عندما يخلع حذائه فيرى جوربه مقطوعاً وقد ظهر جزء صغير من أصابع قدمه.. فيحاول محاولات خائبة في مداراته فلا تتسبب تلك المحاولات إلا في المزيد من لفت انتباه المحيطين به لما يحدث.. فيتأملون الجورب بنظرات جانبية وقد يبتسم آخر خفية وكأن جوربه معصوم من القطع
يزداد الشعور بالخجل والعار لظهور سنتيمتر من القدم فقط بينما في أماكن أخرى قد تتعرى القدم كلها فلا يلتفت أحد..إن القطع أظهر ما كان محتم اخفائه.. ودلالة القطع نفسه في عيون مشاهديه هي الإهمال وفي عيون صاحبه هي المفاجأة !! نعم إنه يعرف قدمه تمام المعرفة..ويحفظ شكل أصابعه جيداً ولكنه تفاجأ بتلك المساحة التي ظهرت وكأنها عورته.. المفاجأة تدفعه لِلَي قدمه.. أو شد الجورب ليلتحم ببعضه.. ولكن الأمر لا يلبث أن يبدو ظاهراً بصورة أشد..الأمر يصير مفزعاً
تبدو لي قصة شهيد الطواريء منذ بدأت موقف مشابه تماماً لجورب مفتوق.. فوجيء به الجميع بعد أن خلع "أحدهم" الحذاء في ساحة تكتظ بالبشر
لقد كان خالد هو تلك المساحة الصغيرة التي ظهرت لتصيب صاحبها بالمفاجأة.. نعم إنه يعلم تماماً بوجوده وبوجود أمثاله في جسده ولكنه تأذَّى من مشاهدته فحاول مداراته.. حاول الكثيرون نعته بصفات لا يعلم إن كانت فيه.. بدا لي الإعلام مثلاً متفاجئاً بهذا المشهد فذهب إلى أقصى اليمين وأقصى الشمال محاولاً في مشهد عبثي إلى توسيع الفتق أو مُداراته.. مما خلق حالة من التشتيت صرفت أنظار المحيطين عن "العورة" التي ظهرت.. ربما حاول في بعض منابره التبرؤ من تلك القدم وهذا الإصبع تماماً..وفي منابر أخرى صرخوا: أنظروا يا بشر إلى ذلك الإصبع وتأملوه..فقد تتعروا جميعاً مثله ذات يوم
بدا لي الناس مترقبين لصاحب العورة.. متفرجين.. ينتظرون ما ستأتي به الأيام كالعادة .. فلربما صاح صاحب الجورب أن هذه الموضة هي آخر ما توصلوا إليه في عالم الجوارب.. ربما وقتها سينصرفون إلى حالهم
وربما يدعو أحدهم إلى غلق الموضوع ويدعو صاحب الجورب إلى ارتدائه.. فقد فاحت الرائحة..ولم يعد بالإمكان مداراتها
أيها الجسد المريض صاحب الإصبع.. متى سيأتي اليوم الذي تدرك فيه أن مُداراة الفتق لن تتم عن طريق الترقيع


Thursday, June 03, 2010

عســـل إســــود



وكما هو العسل الأسود حلو ولاذع وقاتم السواد وفعَّال مع الليمون في مكافحة الكحة جاء الفيلم أيضاً حلو ولاذع
أما القتامة.. فسيراه قاتماً من ذهب فقط ليضحك.. من ذهب يبحث عن الإفيه المعتاد والقفشة الجديدة والنكتة الطازجة.. من ذهب إلى حلمي باعتباره كوميدياناً مهرجاً لا يمارس سوى فعل الإضحاك
هذا لا يعني أن الفيلم كئيب أو ميلودراما فاقعة .. على العكس.. إن أردت الضحك ستضحك..سمعت بضعة ضحكات عابرة هنا وهناك..لكنه ضحك كالبكاء
سيراه قاتماً من ذهب حاملاً على كتفيه هماً عاماً
سيفهم قتامته من يشعر بمرارة العيش وقسوة الحال ونحن نحب عادة أن نمارس السخرية على حالنا.. فعلنا هذا على مدار تاريخنا الطويل فإن كان الحال مُراً فمن الجميل أن نضحك عليه ونقهقه.. أليس شر البلية ما يُضحك؟

الفيلم الغير معتاد ..كعادة حلمي في أفلامه الأخيرة يخلو من "العقدة" .. ولهذا قد يحس المشاهد أن هناك خللاً لو أنه لم يستطع التواؤم مع التيار الذي يسير بالأحداث في اتجاه واحد.. لا تصاعد مستمر للأحداث وعرض للعقدة ثم حلها في نهايات الفيلم وكل مخرج وتقديره.. لم يكن الأمر هكذا.. ولكنه رغم هذا ظل محافظاً على عين وعقل المشاهد طيلة الوقت .. ربما لأن المشاهد "المصري" الذكي قد فهم أنه يجب عليه التركيز كي لا تفوته تفصيلة واحدة من التفاصيل التي يزخر بها الفيلم
يخطر ببالي الآن الجملة المشهورة التي يرددها البعض أحياناً كثيرة: الشيطان يكمن في التفاصيل

قضية الفيلم الأساسية وفكرته الرئيسية ونواة ذرته ولبه الداخلي ومحور احداثه :) هي فكرة بسيطة جداً .. نفكر بها دوماً.. ولا يمكننا التعبير عنها حيث أن الأمر محفوف بالمخاطر النفسية

الفكرة هي : هل أنت فخور بمصريتك؟ أو بالأحرى : هل مازلت فخور بمصريتك كما كان أبوك وجدك؟

ورغم أن السؤال مُجاب عنه عند الكثيرين فقد رأى صانعو الفيلم أن يطرحوا التساؤل مرة أخرى بصورة أوسع تضم بين جنباتها مقارنة.. مقارنة قد تبدو مُجحِفة وقاسية وظالمة لكنها للحق والإنصاف كانت في الفيلم عادلة.. ليست مقارنة بين مصر وأمريكا في أسلوب الحياة المعتاد وتلك الأشياء الصغيرة التي نسخر منها كأننا ادمننا السخرية.. ولكنها مقارنة بين ما كان " يجب ويمكن " أن نكونه ولم نفعل!!! مقارنة بين مصر ومصر .. مصر منذ عشرين عاماً – نخليهم تمانية وعشرين- ومصر الآن

ولهذا كانت فكرة عودة مصري ذهب إلى هناك ثم عاد بعد عشرين عاماً مناسبة تماماً حيث أن "مصري" وهو اسمه في الفيلم بالفعل يصطدم.. بكل شيء.. لدرجة أنني لا يمكنني إحصاء المواقف وسأدعها لخيالكم الذي لن يبذل جهداً في تخمينها.. لقد كان فخره بمصريته وجواز سفره المصري محل .. محل إهانات لا حصر لها

المشكلة الحقيقية كانت في مشاهد النهاية.. كنت أدرك حيرة المؤلف والمخرج والأبطال في محاولة إيجاد نهاية سعيدة.. أو محاولة خلق شيء من التوازن.. محاولة العثور على ما نتشدق به دوماً من أننا قد نكون متخلفين علمياً واقتصادياً لكننا الأحسن أخلاقاً وتقاليداً وقيماً.. الحقيقة لقد حاول الأبطال كبار السن مثل إنعام سالوسة ويوسف داوود الدفع بأننا أحسن بحوار عبثي يقودك إلى الفكرة المعاكسة !! مثلاً دفعوا أن الأم مازالت تنفق على ابنها بلا غضاضة رغم عبوره الثلاثين لأنه عاطل وهي غير مضطرة!! شعرت أن التنقيب جار بشدة في هذه المشاهد لكنه اصطدم بالعجز.. وانتهى الأمر بوجوده في المطار عائداً يحادث شابين.. ويتكلمون جميعاً عن هذا الشيء الذي تمتلكه مصر فيجعلهم يحبونها ويرجعون إليها دوماً.. فكان هذا الحوار الذي لم يفض إلى شيء من أجمل مشاهد الفيلم على الإطلاق
وعفواً إنه ليس جلداً للذات لأن الذات بالفعل مجلودة تماماً

أجمل ما في الفيلم هو كل لقطة وكل مشهد وكل جملة حوار.. إحساس شخصي بحت قد يختلف فيه الجميع
لا أنكر انحيازي النفسي لأحمد حلمي كممثل ولا لطاقم عمله الذي يتألف كل مرة من مفاجأة جديدة وأعترف أنني كنت أتأمل بشغف كل مشهد ليس لتصيد عيب كما هو حال الكثيرين بل لاكتشاف جميل خفي لا أدركه.. ولا أنكر أنني عاطفية جداً فيما يخص فيلماً أحبه أو ممثلاً أتمنى له النجاح الدائم.. ولكن الاعتراف الأقوى هو أنني كنت لا أريد أن أرى هذه الفكرة مُتجسدة أمامي على الشاشة
خوفاً وجزعاً
قال لي زوجي قبل عرض الفيلم: أعرف أنني لن أكون سعيداً عند خروجي.. وأعتقد أنك تعرفين السبب
أجل أعرف السبب
أننا لا نريد رؤية وجوهنا في مرآة صادقة
نريد أن نضع الماكياج الصاخب أولاً
السبب جعلنا لم نستطع مناقشة الفيلم معاً بعد خروجنا من السينما كعادتنا سوياً وتهربنا من هذه المهمة الشاقة وحتى بعد مرور ثلاثة أيام.. ولا أظننا سنفعل