قدَّرت أن وقتاً طويلاً قد مرّ دون أن أمرح هنا.. عادة ما آتي مرتدية ثوبي البنفسجي وقد ربطت تلك الفيونكة فوق شعري المتناثر وأظل أتقافز بين الصفحات.. أقلب في كلمات سابقة وأتأمل ما كتبه آخرون.. أتحمس للرد عليهم فأذهب وأكتب كلمات أخرى عند كل جار.. ألاحظ أوجاعاً وأرقب تأملات.. أشعر دفئاً هنا.. وقسوة هناك..وتفلسف هنا.. وأخيراً أختفي بين السطور.. وأستسلم للنوم اليقظ
أرى فيما يرى الحالم أني أطفأت شمعة ثم ألقيتها في سلة مهملات فإذا بها تشتعل وتتصاعد منها ألسنة لهب صنعت دوائراً سوداء على سقف الحجرة التي كنت قد زينت جدرانها بلوحات زيتية رسمتها في صباي
مهلاً
لا أذكر أني رسمت تلك اللوحة الغريبة التي تحتل الركن البعيد..اقتربت لأتأملها فرأيت تلك الفتاة التي تشبهني - حتى لتكاد تكون أنا - تخرج من اللوحة.. تسير باتجاهي وقد تطايرت خصلات شعرها بعيداً.. لاحظت أنها كانت ذات أجنحة ملونة لم تتأثر بالحريق
جَفَلْت
وهربت منها إلى خارج الحجرة بعد أن أغلقت الباب عليها/ على نفسي هناك.. وتوجهت إلى المائدة الكبيرة أتعثر في دُمَى مُتناثرة كنت قد ألقيت بها من الشرفة الكبيرة منذ زمن بعيد وأنا أطوح ضفائري السوداء الطويلة في الهواء
كنت أتخبط في الجدران وأشعر في كل لحظة أن هناك من يراني ويترقّبني وينتظرني.. وهي نرجسية لا تصح.. قد أكون بحزن النرجس لكني لست بغرور ناريس.. ماذا قلت عن ناريس هنا قبلاً؟ لا يهم.. ما يهم حقاً هو أني أشعر أحياناً بأولئك الناس يوقظونني لأسباب خفية.. فأفتح الويكيبيديا لأقرأ أشياءاً أدرك اجتهاد بعضهم في سردها وبهتان البعض أحياناً.. ويملأني الشك في كثير من الأحيان
وأسأل..وما هو الشيء الأكيد في هذا العالم؟
لم يعد هناك شيئاً أكيداً
كل الأشياء محل شك.. ربما كان الشك هو الأمر الأكيد.. هل ذهبت إلى الصين أبداً؟ خُيل إلي أني ذهبت منذ أيام قليلة إلى الصين.. ليس لشراء فوانيس رمضان الذي اقترب..فالصين تأتي إلى هنا.. ولكني ذهبت لأرى السور.. وأسير بجواره.. مازال السور قائماً وقد رأيته وتلمسته.. وأذكر جيداً أن خلفية الصورة كانت سماء زرقاء شديدة الزرقة وكانت الأيقونات متبعثرة على الجانب الأيمن منها وكأن ريحاً ما تسببت في ذلك
وأعود.. أعود لمائدتي
الشيكولاتةُ البنيةُ قليلةُ السكر معشوقتي الأولى لم تكن على المائدة في ذلك اليوم رغم أني وضعتُها بيدي.. تأملت يدي.. تملؤها المشانق المستديرة.. خواتم لامعة تحتل كل أناملي
وجدت بدلاً من الشيكولاتة باقات ورورد ذابلة.. نظرت إليهم نظرة بذات الذبول وبحثت عن سكين.. لم أجد سكيناً لكني وجدت مقصاً أسود اللون.. رأيته مرسوماً يوماً على كتاب
أنفقت وقتاً طويلاً في قص الفروع مائلة.. ووضعتها في إبريق كبير.. بجوفه ماء مُحلى بالسكر الذائب حد الإختفاء
لاحظت سمكة ملونة تسبح في قاع الإبريق.. فتذكرت سلحفاتي المختفية منذ أربعين عاماً
وتساءلت هل هو بياتها الشتوي؟ هل نحن صيفاً أم شتاءاً؟
أحوال الطقس لدينا غريبة هذه الأيام.. حرارة ترتفع بجنون يجعلني أخرج كسلحفاتي المختفية.. أخرج من مخبئي.. أخرج لأبحث عنها فلا أجد غير الصَدَفَة فارغة..هل تحررت سلحفاتي اخيراً وانطلقت عارية لا مبالية!! لا أدري حقاً.. لكن البحث عنها تحت المقاعد قادني لاكتشاف آلاماً تصيبني كلما انحنيت.. أذكر أن أمي قالت أن شرب الحليب يقيني من هشاشة العظام مادمت لم أتجاوز الثلاثين.. أسير إلى الثلاجة وأنا أتصنع عدم عبوري الثلاثين.. أفتحها بسرعة وأخرج أولادي من داخلها وأتناول زجاجة الحليب.. أرفعها إلى فمي فأجدها تجمدت.. لقد انتهت صلاحيتها منذ عشر سنوات !! كيف بالله عليكم تتركونها هكذا.. أصيح بالأولاد فيتركونني قائلين أنهم تأخروا على أزواجهم وأن صلاحية الزجاجة تبدأ من تاريخ العثور عليها.. يسخرون مني أولئك الملاعين.. أقول لهم ستعرفون قيمة الحليب عندما تعبرون الثلاثين
يقول أحد ما أن رمضان هذا العام سيكون ثلاثين يوماً.. هكذا يؤكد المفتي قبل أن يبدأ رمضان.. لعل له قمر صناعي خاص
أحب القمر.. لكني أكره الظلمة المحيطة به قبل ظهوره.. يؤرقني اللاظلام واللانور وذلك رغم أني عادة لا أواجه.. ولا أصارح.. وأستحي أن أقول للأعور أنت أعور في عينه.. وكذلك أحب اللون الرماديّ.. إنه لوني المفضل في الملابس.. أريد أن أبدأ بتضييق الكثير من الملابس فقد أصابتني نحافة يحبها الآخرون
جلست أستريح من أحلامي فغرقت بمقعد أبي الوثير
لا أدري كيف أتى هذا المقعد إلى هنا !! لم يكن أبي على مقعده.. وبدا المقعد أصغر من ذي قبل
حاصرتني أنفاس من مكان غير معلوم ظننتها بقايا الحريق.. لكنها كانت أنفاس زملائي في باص المدرسة عندما نتكدس وقت النزول
أحسست بالحرارة تنتشر فابتعدت إلى ركن المكان وأنا ألمح المائدة بطرفِ عيني.. الكعكة التي تتوسطها تعلو وتتضخم.. كحبة الفاصوليا في أفلام الكارتون.. تشغل كل الحيز.. تخنقني رائحتها فأهرب إلى الشرفة الواسعة فأتعثر في السلحفاة العارية التي نظرت لي بعينين عاتبتين
جلست على المقعد البامبو منهكة
أتعبني كل شيء
كل الأشياء تتراكم من حولي
وتحتل ذاكرتي
وجدت على سور الشرفة قلمي التائه.. وعلبة تبغ مذهبة كانت لعمِّي..توأم روحي
وأمسكت بقصيدته الأخيرة المسماه باسمي والمكتوبة على وريقات صفراء قديمة في اللحظة الأخيرة قبل أن تذروها الريح
أحببت عمي كثيراً
وأحببت الشيكولاتة
لكنهم أتوا بتلك الكعكة البيضاء الكبيرة مشتعلة بالشموع الوفيرة وتركوها وذهبوا جميعاً
فكرت أن أخبئها في إحدى التدوينات القاطنة هنا ولكني خفت ان تحترق المدونة بما فيها.. كان علي إطفاء الشموع أولاً.. سأطفئهم واحدة بعد الأخرى
وبدأت بالفعل لكنهم لا ينتهون.. يزدادون اشتعالاً فألهث خلفهم واحدة بعد أخرى من جديد
تهرب إحدى الشرارات وتشعل تلك الستارة القديمة وأحزن حتى ليكاد يقتلني الحزن فقد أنفقت وقتاً طويلاً في نسجها.. ولكني أرقب النار من بين حزني وأنا أتسائل عن معنى الوقت.. ومعنى السنين
وأتسائل مجدداً عن مصدر الكود الذي أتيت به لأضع تلك الستارة في المدونة
لا أتذكر
ولم أتمكن من التحليق عندما ارتفعت ألسنة الشموع لأعلى لتتحدى أنفاسي.. لقد احترقت أطراف أجنحتي قليلاً.. ولكني سعدت بمَقدِم أحدهم ليساعد النار على الاختفاء.. ربما كان أنونيموس صديق
وبعدها وجدت قلبي يدق بشدة.. إنني بحاجة شديدة إلى قطعة من الشيكولاتة
قطعة بنية مُرَّة بحلاوة القُبلات
.
.
.