توقيت سيء
هذاما جال بذهني عندما ذهبت لرؤية فيلم في موسم العيد رغم ذهابي لحفلة متأخرة الموعد .. ولكن هذا لا يهم .. الأهم هو أن عرض هذا الفيلم بالذات في هذا التوقيت هو أمر سيء لصناعه لعدة أسباب أبسطها هو قصر أيام أجازة العيد وتأثير ذلك حتميا على ايراداته وأقساها أنني رأيت أحداثه لا تتناسب مع الجو العام في البلد رغم أن الكثيرين قد لا يرون نفس رأيي .. فالفيلم قائم على اللعب على أوتار الوطنية والانتماء و'الفخر' وقد يرى كثيرون أننا بعد موقعة الجزائر في أوج وطنيتنا وحماسنا ولكن بنظرة واقعية سنجد أنه حماس وقتي تلاه خيبة أمل في كل شيء .. وظهرت حقيقة عارية مؤكدة أننا هانت علينا أنفسنا فهنا على الآخرين.. ولهذا وجدتني لا ابتهج لرؤية قصة جاسوسية نعرضها من جانبنا وننتصر فيها بينما نحن قد عجزنا عن 'إدارة' أزمة تعلقت بمباراة كرة قدم
الأحداث
يتعرض الفيلم لقصة جاسوس اسرائيلي تعرف بفتاة مصرية يتيمة متوسطة الحال تحيا مع خالتها في العراق وتزوجها باعتباره مصري مسلم وعادا إلى مصر وأنجبا طفلين .. وتبدأ الأحداث بشجار عادي بينهما يحقنها على إثره لتصحو وتجد نفسها في تل أبيب .. زوجة مصرية مختطفة من زوجها الجاسوس الإسرائيلي الجنسية اليهودي الديانة
وبالطبع تثور وتنهار وترفض وتشجب وتدين فعلته وتحاول الهرب بطفليها فتجده أمامها دوما مؤكدا حبه وأنه لم يأت بها إلا لحبه لها فقد كان بإمكانه تركها والهرب بأطفاله
بالطبع هناك خط موازي يتمثل في الجانب المصري الذي يرسل أحد رجاله ليخلص الزوجة وطفليها .. ونتتبع رحلته منذ دخوله فلسطين حتى التحاقه بالعمل في بناء الجدار العازل وكعامل هدد مع مقاول فلسطيني يهد أنقاض البيوت المجتاحة من المحتل وهي رحلة شاقة على النفس وكانت مصدر ألم فعلي في الفيلم فلم يسبق أن قدمت السينما أفلاما تمس حياة الفلسطينيين المتعاملين مع المحتل.. ونتتبع رجل المخابرات حتى وصوله تل أبيب ليعمل في صيدلية يمتلكها يهودي مصري يستمع للست في صيدليته ويؤكد أنه يهودي وليس صهيوني.. وبعد كثير من الأحداث ينجح المصري البطل في حرق الزوج اليهودي الذي يتضح أنه أتى بزوجته كطعم يستدرج به رجل المخابرات الى ملعبه .. المهم يتم إنقاذ الزوجة وأطفالها .. فيلم عربي
الحوارات
امتلأ الفيلم بالحوارات التي لم تقلل من فنياته ولم تؤثر على إيقاعه فقد كانت ضرورية لتوضيح وجهات النظر
من أهم الحوارات حوار الزوج مع زوجته لإقناعها بالبقاء متحدثا عن ديموقراطية بلاده ونبذها العنصرية والمحسوبية والفساد .. وعن تفوقها العلمي ونظافتها ونظامها وأنها فقط يمكن أن تتخيل أنهم هاجروا لبلد أوروبي
يأتي الحوار متزامنا مع وجود الجارة الطيبة التي تتودد إلى الزوجة متحدثة عن الأولاد والمدارس تماما كما تفعل الجارات الطيبات وتوضح للزوجة جمال الحياة وهنائها .. وتحكي عن اصابة زوجها المقعد في حرب التحرير بحزن شديد وعن همجية الارهابيين الذين لا يتركونهم يحيون في سلام
حوار آخر في حفل بين الزوجة ومهندس مصري يقيم في اسرائيل ويؤكد لها فيه انه يحيا في امان وسعادة ويساهم في بناء نهضة لأناس يعملون بهمة وهو حديث وان كان صحيحا بعدما قرأت مرارا عن أعداد المصريين المقيمين في اسرائيل الا انه لم يفعل غير تجميل تلك الصورة ولم يأت في الاحداث التالية ما يشير الى ادانة أو رد فعل لهذا الفعل من اي طرف من أطراف الفيلم..تلفت وقتها الى جمهور المراهقين الذي يشهد الفيلم وتساءلت عما يدور برؤوسهم الآن
وتذكرت لحظتها فكرة الفيلم الرئيسية وهي استعادة الزوجة المصرية لأن زوجها رجل مخابرات وجاسوس.. وتساءلت ماذا لو لم يكن؟ماذا لو كان رجلا عاديا اختطف زوجته وأقنعها بالبقاء؟كانت الحياة ستمضي بها لتظل قرب أولادها فالفكرة الرئيسية أن الزوج جاسوس وليس رجلا عاديا..واسترجعت عندئذ مشاهد طقوس دينية حضرها الطفلين مع الأب وحديث بين الأب وحاخام يؤكد له أن أولاده يهود رغم ان أمهما مسلمة فهو بطل قومي
حوار آخر مع الزوج عن الدين وكونه ليس الا علاقة بين العبد وربه وانه لا علاقة له بالحب الذي يربطهما.. وأن اليهودي ليس بكافر وان المسلمات في بدء انتشار الإسلام كن يعاشرن أزواجهن الكفار .. حديث مليء بالمتناقضات والمغالطات بهدف الاقناع وتلاه هدية من أحد الاصدقاء للزوجة :نسخة القرآن الكريم .. في مشهد يوحي بالسماحة الغير متوقعة والتي تذهل الزوجة
كل هذه الحوارات الجدلية والمعلومات عن دولة اسرائيل كانت لتأكيد فكرة روعة الدولة ولاقناع الزوجة بها لكن النهاية حملت مشاهد عنصرية وتفشي الوساطة وكذب الجارة وزوجها الغير مقعد وكأنهم يهدمون بهذه الاحداث ما جاء على لسان البطل ولكني لم اقتنع ببساطة .. فتفوق اسرائيل العلمي وسياستها الديموقراطية أمر واقع لا يمكن تكذيبه وانكاره بوضعه في سلة واحدة مع باقي اكاذيبهم
حوارات أخرى بين المنقذ والزوج تخللتها قفشات مصرية جاءت على لسان رجل المخابرات المصري .. لم تضحكني بالمرة فقد سئمت الفهلوة سئمتها حقا
حوار أخير قد لا يكون محط انتباه لكنه أثارني للغاية بين رجل المخابرات المصري وفدائية فلسطينية'وقعت في حبه في لحظات!!' يؤكد فيه أنه يرفض تفجيرها لنفسها في وسط جمع اسرائيلي لأن الحياة أغلى من التضحية بها هكذا .. وأننا قادرون على التحرر بدون فقدان الحياة..تساؤل طرح نفسه في هذه اللحظة عن معنى المقاومة وفكرة الشهادة حيث صار الأمر كما يرى البطل مناف لكل ذلك .. بدت لي تلك الأفكار على اختلافها لما ألفناه مجرد فكر مختلف يطرح نفسه وحسب
مشاعر
لقطات قصيرة للزوجة .. رؤية العلم الاسرائيلي مرفرفا عند صحوها بعد الاختطاف .. ورؤيته مرسوما بيد طفلها وجزعها لذلك .. فتحها الثلاجة لتصب الحليب فتجزع للغة العبرية المكتوبة على العلبة ..قرائتها فاتحة الكتاب لطفلها قبل النوم.. لقطات على سرعتها كانت في غاية التأثير
الفيلم
جاء تصويره واخراجه متميزا وان كانت مشاهد المطاردات قد نفذت بكثير من المبالغة الغير منطقية والغير مقبولة وأعجبني كريم عبد العزيز'رجل المخابرات المصري' في بعض المشاهد خاصة مشاهده مع الجانب الفلسطيني أما باقي مشاهده مع الزوج فكما قلت أصابتني بالسأم .. يبدو أني لم يعد يروق لي التفوق القائم على فنجرة البق..كانت منى زكي 'الزوجة' متألقة في كل مشاهدها وأحسست بتمزقها الذي أجادت التعبير عنه تماما..أما شريف منير'الزوج' فقد أدى دورا مميزا كعادته .. وفقط
الخلاصة
ليس كل ما يتمناه المرء يدركه .. إلا بالعمل الجاد .. وهذا الفيلم وإن كان قد نجح كفيلم في أن يجعلني أتساءل وأفكر..ولعل هذه رسالة الفن السابع في حقيقة الأمر.. إلا أنه لم يصور لنا غير الصورة التي نحب أن نرى عليها أنفسنا وليس ما يجب أن نكون عليه


