المشهد السياسي قبيل الإنتخابات الرئاسية يصيب الناظر له بالتشتت خاصة لو
كان مصرياً لم يمر طيلة حياته- أياً كان عمره- بانتخابات رئاسية حقيقية، والأمر لا
يماثل أية انتخابات في بلد آخر بعد الثورة التي حمّلت المشهد بحسابات وتعقيدات لا
مثيل لها.
حس الإختلاف وتقبل الآخر وما إلى ذلك أمور شبه منعدمة في ثقافتنا التي لم
تعتد التعددية ولم تحياها، ولكن الأمر أبعد من أمراض مجتمعية متأصّلة ؛ الأمر يشبه
مياه غير إقليمية بمحيط هائج كل موجة فيه ترغب في أن تطال نهاية المحيط وتصل
للشاطيء، نزاع يتضح للعامة والخاصة بين السلطة الحاكمة الحالية متمثلة في المجلس
العسكري الذي لم يعد يهتم بإرسال رسائله المُطمئنة على موقع التواصل الاجتماعي
وبين باقي القوى التي تتصارع لتجد لها موضع قدم على الساحة السياسية.
الصراع الأكبر يدور حول توزيع السلطات بعد استتباب الأمور بحيث لا تستأثر
طائفة بالكاميرا المُسلّطة على المشهد وبكواليسه أيضاً ولكن هذا الصراع يستخدم
أدوته ببدائية شديدة ! أدواته من كل الأطراف هي الإعلام واستغلال النعرات
والإنتماءات؛ المجلس العسكري بات يُدرك تماماً أن القوى السياسية المختلفة فقدت
قدرتها على الحشد بعد أن صار الشعب مُنهكاً تمام الإنهاك – وهو الغرض الأساسي من
تمديد الفترة الإنتقالية – ويُدرك تماماً أن إعلامه قد أتم عملية التضليل بنجاح في
الكيل للبرلمان المُنتخب وتضخيم عجزه الذي هو ضالع فيه بحكومات أقل ما توصف به هو
الفشل.
وسط كل هذه التعقيدات تأتي اللحظة التي انتظرناها أمداً طويلاً لتأتينا
برئيس مُنتخب؛ مشكوك في صلاحياته بعد أن تم إرباك اللجنة التأسيسية لعمل الدستور
فتعطّل العمل بها ويجري الآن إعادة تشكيلها بل والتهديد من قِبَل المجلس العسكري
بفرض إعلان دستوري جديد إن لم تتم في موعدها، الرئيس المنتخب ستتحدد صلاحياته في
الدستور الذي لم يُكتب بعد، وكذلك تحديد نظام الدولة -الذي لم يُحدّد بعد-
انتظاراً لتمام كتابة الدستور وتوافق قوى الشعب على ذلك النظام ولا أعلم كيف ومتى يمكن
أن يتم الاستفتاء على هذا الدستور حال كتابته في طرفة عين! يزداد الأمر اشتعالاً
الآن قبيل انتخابات الإعادة ويتم استغلال ماكينة قضاء يدوية لإملاء إرادة الطرف
الأقوى في الصراع حسبما تتجه اللعبة بعد تعقد موقف قانون العزل وتصاعد أصوات
الجميع لتفعيله، بينما على جانب آخر يجري الأمر على قدم وساق في لعبة "الموجة
بتجري ورا الموجة عايزة تطولها" كل موجة سياسية تريد فرض سطوتها وإن لم تستطع
فهي تُجهز بدم بارد على منافسيها بأرخص وأحطّ السُبُل، والأخطر في كل ما يحدث هو
الاتجاه لإفقار الدولة وتسليمها للرئيس الجديد في حال تجعله عُرضة لثورة ثانية!
إن الأمر جلل، ومهما كانت الضغوط الخارجية التي يتعرّض لها المجلس العسكري
والتي تُلزمه بشكل معين قادم للدولة، والضغوط الداخلية التي يتعرض لها من بقايا
النظام السابق والتي تريد أن تضمن لنفسها تواجداً وحماية إضافة لرغبته الخاصة في
ذلك ليحافظ على كثير مما يظنه حقاً خالصاً له بعد طول سلطة؛ كلها أمور يجب أن
تتوارى في سبيل إعادة إقامة الدولة ولتسقط الشهوات كلها- شهوة السلطة والمصالح
والبقاء والنفوذ – إلى الجحيم. قد يبدو كلامي غير منطقي في ظل الصراعات لكنه صرخة
ودعاء.
إننا نجد في تلك اللحظة سلطة لا همّ لها غير تخريب ما هو قائم وما هو قادم!
الهدم الذي يروجون أن الثوار ضالعين فيه لا أجد من أُحمّله مسئوليته حقاً غير
المجلس العسكري الذي بات يعبث بالسلطة القضائية ويحمّلها تبعات رغباته-لنتذكر قضية
الأمريكان المُهرَّبين وقضايا الفساد المُعلّقة وأخيراً الحكم السياسي على المخلوع-
وكذلك بالسلطة التشريعية التي يحجّمها ويحط من قدرها بإعلامه، والدستور الذي يرغب
في وضعه أثناء وجوده، وأخيراً ها هو منصب رئيس الدولة يتعرض لأن يكون ديكوراً لا
نفع منه!
إن الرئيس القادم- لو قُدّر لنا ووصلنا لتلك اللحظة- عليه أن يواجه أنواءاً
تفت في عضده من داخل الدولة ومن كل قواها المختلفة؛ بعضها سيحاربه لأنه من تيار
مخالف فقد مضى عهد عبارة الرئيس التوافقي، وبعضها سيحاربه لإقامة دولة مصالح من
نوع جديد، وما نراه في الدعاية الإنتخابية لكل مرشحي الرئاسة في مرحلتيها الأولى
والإعادة لا يبشر بغير ذلك! لا أتحدث عن مرشح النظام السابق فهو يحسن التدبير ولا
أظنه يفتقد المساندة المباشرة من المجلس العسكري، لكنني أتحدث عن مرشحين التيارات
الإسلامية والليبرالية والثورية، الذين عجزوا عن التوافق أياً كان مدى تقاربهم
الأيديولوجي ولم يتنازل مرشح لآخر بل إن جميعهم كانت تأخذهم العزة! وكل يرى في نفسه
فرعوناً جديداً إلا من رحم ربي، ولعل ظهور بحر الرمال تحت أقدام الجميع هو ما
دفعهم لتلاقي الأيدي بالمصافحة والتساند- كما كنا نرتجي جميعاً منذ البداية.
فهل تأخر الخطوة هو حكم مسبّق بفشلها؟ أم هي في حقيقتها ورقة ضغط نهائية
لإنقاذ ما تبقى فينا من إيمان بالثورة وقدرتها على تجميع الشتات ومواجهة آلة
جبّارة تسعى لإرساء نظام الفساد من جديد؟! الله أعلم.