Friday, March 27, 2009

اكتمال


لم يتبق إلا ساعات علي عودته .. تتأمل عينيها في مرآتها الكبيرة وتعيد بصوت عال موعد وصول طائرته ‏.. رقم الرحلة .. صالة الوصول .. تعقص شعرها للخلف وتتراجع خطوتين لتري نفسها كاملة .. ليست كاملة .. شئ ما ينقصها .. تعرف ذلك
تركض إلي طعام تعده وتسبغ علي المكان نظرة راكضة .. كل شئ في مكانه .. حتي الشموع المعطرة .. وأدوات الطعام .. وشال أحمر جديد منقوش يستقر بعفوية مقصودة علي الأريكة التي تعيد تعديل وسائدها الصغيرة .. ولا تنسي أن تضع بعض الحنين بينها .. قلبها يفيض به علي الأشياء .. تؤكد لنفسها أنه سيحب طهيها .. لم يحدث أن قال غير أحب كل ما فيك .. كل ما تلمسين .. غمست إصبعها في إناء حار تلمس طعامه
راكضة هي بين المكان .. ترقص وهي تقلم إظفرا وتعيد طلائه .. ترتدي علي عجل .. وتغير ردائها مرات .. تدور فراشة في حجرتهما الصغيرة .. وتطبع قبلة وردية علي المرآة قبل أن تغادر
في سيارتها يعلو صوت النفير تتعجل القوم .. وتعقد ساعديها حبيسة إشارة مرور أنارها حمراء من لا يقدر عجلتها .. يأتيها صوت صغيرها علي الهاتف .. هل وصل أبي .. تتساءل هل فعلت صوابا .. لكنها تريد هذه اللحظات بكل كيانها .. تسأله .. هل يضايقك أولاد خالتك .. هل تشعر بالضيق .. لا تريد سماع الرد .. يؤكد أنه لا يستطيع النوم هناك .. وتؤكد أنها ستصحبه صباحا .. إنها فقط ساعات بعد وحدتها الطويلة .. تريد ذاتها امرأة بعد دوام أمومتها طويلا
تركض مجددا يتساقط منها حنينها الجارف .. تتمني لو يجمعه كل المنتظرين ليسكبونه في قلوب القادمين .. سيفيض .. تدرك ذلك
تراه من بعيد قادما ملوحا لها بيده .. لا تري سواه .. تتخبط بين العابرين .. يضمها لصدره .. لا تغادره .. ولا تريد مغادرته .. يقبل جبينها وينتزعها من فوق شفتيه .. تبكي وكفاها يحتضنا وجهه بينما عيناه تجوب بين أولئك العابرين .. خجلا كان حبيبها .. ويسأل عن الصغير
لم يتوقف عن الحكي ولم تتوقف عن الإستماع تقاطعه قبلاتها .. تلمس وجهه كل حين فيلثم أناملها .. تزينها ضحكاته .. تنظر إليه نائما كالملاك ضاما كفها .. فتزيح شالا أحمر منقوش عن فراشها برفق إلي الأرض .. وتنظر من بعيد لوجهها في مرآتها البعيدة .. كاملة هي الآن .. ترسل لصورتها البعيدة قبلة وردية قبل أن تطفئ إضاءة خابية

Monday, March 23, 2009

سلامتها أم حسن




لكل عملة وجهان
ولكن .. يمكنك أن تمضي عمرا بأكمله تنظر لوجه واحد .. أو تكون من الغباء بحيث لا تري غير حد العملة الضيق

كنت في لحظة غباء أنظر لحد العملة لا أري سواه عندما سمحت الظروف السعيدة لي بسماع رائعة أبدي الموهبة أحمد عدوية'سلامتها أم حسن' .. لقد جعلني الإستماع لها بتركيز ولأول مرة أعاني من صدمة فقد حادت عيني عن الحد الضيق للأشياء .. ولأول مرة أيضا أشعر أن ' لكل حقيقة أوجه كثيرة' .. فقط هو جانب الرؤية عندما يضيق
استمعت للأغنية كاملة وركزت فيها مع النجم الساطع منذ ثلاثين عاما أويزيد وسقطت علامة ال يساوي من معادلة من آلاف المعادلات في رأسي 'عدوية لا يساوي بالتأكيد فن هابط' .. سمعت الأغنية لأول مرة وهو أمر غريب لإمرأة في مثل سني سمعت الكثير وتركت أذنيها لكل التيارات الغنائية بدءا من صالح عبد الحي وسيد درويش وتراثه المستعاد علي يد حفيده مرورا بأقطاب الغناء في العصر الذهبي والتي نحيا علي سماعهم حتي الآن والهجمة الشاعرية نسبة إلي حميد الشاعري والراي والراب وكل الشباب كالشاب فلان وعلان وترتان ومحاولات تظبيط الكلمات المسجوعة بفشل متناهي علي ألحان نشيدية الطابع أشد فشلا في أغاني السبعينيات وأوائل الثمانينيات وهوجة كاظم والمطربين أحاديو الاسم واللحن وثنائيو الاسم والكلمة والمطربين المتهربين من الجندية وطوفان المطربين الخليجين والمطربات اللبنانيات وانتهاءا بكعبو كعبو .. ما خليتش بصراحة
و'السماع' نفسه كلفظ يقترب من 'الإستمتاع' ربما لأن تفعيل حاسة السمع هو استمتاع بحاسة مهمة لدي بني البشر ولكن يظل هناك دوما ما تنفر منه الأذن كنهيق الحمير وجعير تباعي الميكروباصات علي سبيل المثال أما الغناء فهناك كذلك من يطمس هذه الحاسة عامدا متعمدا عند مستمعيه ويغلوش عليها وهو ما يستدعي تفعيل حاسة الرؤية علي حساب حاسة السمع فتستمع لأغنية وبعدها لا تتذكر منها غير ساق أو ثغر أو أكتاف أو نهد أو فستان .. ولقد حدث هذا علي مر العصور بأشكال مختلفة تتطور بتطور التكنولوجيا
المهم .. استدعيت الهجوم الصارخ علي صاحب الحنجرة الفولاذية أحمد عدوية في زمانه لانتهاكه قواعد وأصول الغناء وابتذاله وإسفافه وأثناء استماعي واستمتاعي بأغنيته الخالدة التي تمت سرقتها من قبل مطرب يهودي علي حسب ما قرأت .. وجدتها غناءا شعبيا عذبا هادفا .. نعم .. كانت مفاجأة سعيدة لأذني .. ولا أظن أن لحالتي المزاجية دخل في الأمر .. فقد كنت في حضيض معنوياتي ولكني طربت لها جدا .. أنا أتحول !! حاشا وكلا .. لعلها فقط الصاجات المصاحبة التي أضفت علي الأغنية قالبا سوقيا بعض الشئ وموحيا بوجود شخصية لولبية مصاحبة من بتوع السبعينيات الجامدين .. ولعل 'مجرد الخيال' هو سبب وصم الأغنية بالإبتذال .. أي منحدر نسير فيه بعد أن تحول الخيال لواقع مرئي بكل أبعاده وانحناءاته وانتفاخاته وتداعياته .. ياللا ما علينا
يقول الكورال النسائي المايص والمصاحب لابن عدوية في الكوبليه الافتتاحي و المتكرر
سلامتها أم حسن م العين وم الحسد
وسلامتك يا حسن م الرمش اللي حسد
سلامتها سلامتها سلامتها سلا متها أم حسن
وفي هذا المقطع كما نلاحظ يأتي المغزي الرئيسي للأغنية .. فعلي مايبدو أن الست أم حسن بعافية شوية وعلي ما يبدو أيضا أن الأخ حسن محتاس بأمه .. وقد حصرا أسباب تعبها في أن الست أم حسن محسودة وإن العين صابتها أو ربما كان رمشا وهي جملة إيحائية تضفي غموضا علي القائم بفعل الحسد وتكسبه قوة لا مرئية حيث يتمتع مجرد رمشه بالقدرة علي الحسد .. تعبير بليغ جدا
وفي الكوبليه الأول
جالها الدور اللي ماشي
والدور مانيمهاشي
والعين ماسايباهاشي
محسودة أم حسن
شرح وافي لحالة أم حسن حيث جافاها النوم من تعبها الغير مبرر وحيث يقر كاتب الأغنية الذي لم أتوصل لمعرفة اسمه بأن هذا الدور كان منتشرا بين سيدات هذا العصر .. والسبب: العين طبعا .. محسودة أم حسن
ويأتي الكوبليه الثاني
ملبوخة ليه ملبوخة
م الفكر جالها الدوخة
حرقت شبة وفسوخة
ماراقتش أم حسن
كلمات مصرية صميمة .. تأملوا معي كلمة ملبوخة .. حيرة متناهية .. وتيه التبست بسببه الأشياء أمام ناظري الست أم حسن :) فماذا فعلت .. حرقت شبة وفسوخة ولمن لا يعرف الشبة والفسوخة فهما من الأشياء الذائعة الصيت عند العطار حيث تتعدد استعمالاتهما وعلي ما يبدو أن حرق خليط منهما يفيد في مسألة صرف العفاريت المسببة للتعب .. وكذلك لفظة ماراقتش .. كلمة موغلة في العامية المائلة علي جانبها الأيمن للفصحي .. حيث راق الشئ روقانا فهو رائق
وفي الكوبليه الثالث يأتينا الزغلول الكبير
عملولها الزار لطشها
وكأنه عيار دوشها
ياريت كان حد حاشها
معذورة أم حسن
الزار .. إنه الطقس الشعبي المتوارث علي مر الأجيال والذي كانت تلجأ إليه السيدات قديما وربما كان الرجال أيضا لا أدري .. ولكن ماذا فعل بها الزار .. تأملوا الكلمة : لطشها .. وكأنها ولا مؤاخذة سكعت قلما وهو توضيح لحالة المرأة التي تزرزرت .. ويبدأ أخيرا كاتب الأغنية في توضيح غايته الأسمي رويدا رويدا .. فتأتي عبارة : ياريت كان حد حاشها في دلالة علي عدم الجدوي ولا يفوتني في هذا المقام ذكر دور الدفوف التي دوت فجأة بعد الإتيان بكلمة زار في مقطع يعد نقل حي وبث مباشر لوقائع جلسة زار
ويأتينا الكوبليه الأخير
جري إية يا أم حسن
لايميها واخجلي
لا بخور ولا زار هينفع
ماتفوقي وتعقلي
بس خلاص وصلنا في النهاية لهدف الغنيوة الأساسي : ما تفوقي وتعقلي .. وليس لدي أدني شك أن تسعة وتسعين وتسعة من عشرة في المائة ممن يعرفون الأغنية لا يعرفون مقصدها ومغزاها ولا يتذكرون منها غير لحن راقص يدفع دفعا للتمايل والإنشكاح .. ربما هي سابقة أعمال عدوية .. ربما هي الأدوات الموسيقية المشخلعة وربما هي الرؤية الضيقة لحد العملة كما ذكرت
المهم أن الأغنية 'الآن' عاجباني .. يبدو أنني أنظر لوجه من وجهي العملة وربما بعد حين أنظر للوجه الآخر وأري في هذه الأغنية منتهي العكس .. لا يهم .. المهم أن نظري حاد عن حد العملة الضيق
و س لامتها أم حسن





Tuesday, March 10, 2009

لا أمل




ما بين دفع تهمة جلد الذات وبين موت الذات تمضي وقتها .. رحابة الوقت تمتد كثيرا فتسمح لها بالرؤية .. رؤية الوجع بعد موت إحساسها به
تداهمها القصائد .. وتضحك ضحكة مجنونة .. ألم يقل 'أمل' نفسه
لم يبق اختيار
وانحلت سيور العربة
سقط المهر من الإعياء
ضاقت الدائرة السوداء حول الرقبة
ماله 'أمل' يداهمها بقصائده .. تهز رأسها فتسقط كل القصائد
يمتد الوقت قاسيا .. فتتأمل كل 'أمل' يذوي لها وهي تعد الطعام .. وتردد وهي تودعه النار .. كيف يا 'أمل' يسقط من أعلن أنه لا تصالح .. كيف
تزيح كل الورود من حولها حتي تلك المطبوعة فوق الوسائد وتردد : عار علي أن أستغل كلماتك يا أمل .. عار علي أن آخذها لنفسي وقد سطرتها لأمر آخر .. ولكن ما السبيل وقد سقط المهر حقا من الإعياء
تستقبل برودة القبلات وهي مفتوحة العينين .. تشهد نفسها في المرآة المقابلة .. هناك وخز في أحشائها غير محدد المكان لكنها لا تحسه .. إنها امرأة أخري الآن .. بلا ألوان
لا تصالح يا 'أمل' لا تصالح .. دوما أنت معها .. ودوما هي تلك الدائرة السوداء .. تضيق حول الرقبة
ترقد ساكنة .. بعد أن سأمت نفسها .. تزدرد الكلمات والعبارات وكل الدوائر السوداء بصمت اختارته وفقدت باختيارها كل شئ .. لم يبق لها غير خيالات لمهر كان ينطلق جامحا يوما ما .. وتهز الآن رأسا خاويا .. لا حق لها الآن في ذكري .. إنها لا تستحق حتي الذكري .. أجل هو جلد لما تبقي حيا من الذات .. أجل
وما بين رائحة احتراق طعام صنعته واحتراق ذاتها تمضي وقتها .. رحابة الوقت تمتد كثيرا فتسمح لها بالرؤية .. رؤية الحريق بعد موت إحساسها به