تتملكني حيرة شديدة إزاء موضوع "مفصلي" في حياتنا هذه الأيام ألا وهو : وزير التعليم
نعم
الأحاديث المتواصلة عن الوزير ذاته..أفعاله ومواقفه.. تفكيره وقراراته..ظهوره الإعلامي وطريقة كلامه.. تستهلك كل انتباهنا ربما عن التعليم نفسه.. وتستهلك وقتي الذي يجب تخصيصه للمذاكرة مع الأولاد.. وظني أن الوزير يحارب من أجل أهداف رائعة نريدها جميعاً في أعماقنا البعيدة لكننا فقط لا نتخيل حدوثها..فلا شيء يحدث في أي مكان.. ولأنه أيضاً يضع الأمور دوماً في موقع المواجهة الصادمة.. وهذا ليس أسوأ ما في الامر
الوزير صنع حراكاً غير عادياً في العملية التعليمية التي كانت تسير بخطى سريعة –لكنها منتظمة- نحو الأسفل.. بحيث اعتدنا الخطأ والبدائل والغير معقول الذي أصبح معقولاً..بل أصبح أسلوب حياة مع الوقت
فعلى مدار السنين كانت الدروس الخصوصية -مثلاً- تؤخذ على استحياء وللطلبة الغير قادرين على الاستيعاب السريع ثم صارت ملاذ الجميع بعد أن تدهور حال المدرس اقتصادياً ومهنياً مما أفقده الاحترام بالطبع.. وبالتدريج أصبحت الدروس الخصوصية عنصراً أساسياً في العملية التعليمية.. بل وصُرِح للمراكز التعليمية الخاصة بممارسة المهنة.. أي أن المسألة أصبحت مقنّنة..وليست عيباً.. بل أصبح الأمر الشاذ أن تجد طالباً يعتمد على ذاته المطلقة في الاستذكار بعد أن صرح المتفوقون أنهم زبائن عند جهابذة الدروس الخصوصية.. ولا عزاء للفقراء
وبالمثل.. الحقيقة بالمثل كل شيء..بداية من السنة المحذوفة إلى التحسين.. إلى الثانوية العامة مقسمة إلى سنتين.. إلى نظام التيرمات.. إلى ملف الإنجاز.. إلى نظام المراقبة في الشهادات العامة
كل الأمور كانت تسير من سيء إلى أسوأ.. ثم نعتاد الأسوأ.. فالأسوأ.. ونبدأ في الدفاع عن حقنا فيه وفي اللهاث وراءه.. ويتجلى الأمر الآن في أزمة الكتب الخارجية التي وصلت إلى ذروتها هذا الأيام.. فبعد القضية التي تُنظر الآن أمام القضاء حول حق الملكية الفكرية للوزارة في الكتب التي تصدرها ككتب مدرسية-رغم أن عقلي يرفض اعتبار نظريات إقليدس وفيثاغورث ملكاً للوزارة- ومطالبتها لدور النشر التي تطبع الكتاب الخارجي بأموال طائلة إزاء إصدارها-رغم أنهم يقومون بعمل جاد في سبيل تحويلها لكتب مقروءة مفهومة.. لكن وصل الأمر للقبض على أصحاب مكتبات "لحيازتهم" لكتب خارجية
!!!
الأمر أصبح كوميديا سوداء بعد أن صارت الكتب الخارجية كالمخدرات تباع سراً لأننا أدمنّاها
ولأنني دوماً متفائلة ومستبشرة خيراً فقد كان بداخلي دوماً يقين أن كل تغيير يقابله رد فعل قوي مُقاوِم.. وظللت أستبشر وأستبشر وأستبشر مستعدة لتلقي كتاب مدرسي مختلف ييسر الأمور حتى وإن كان يختلف عن الكتاب الخارجي المعتاد الذي كان يقوم بدور المعلم ويفصل الدروس ويدعّمها بالتدريبات المتعددة ولكني تلقيت الكتب الجديدة وانتابتني نوبة غثيان.. فمازالت تملؤها الأخطاء ومازالت معلوماتها غير مُرتبة.. ومازالت عقيمة المظهر والجوهر
ولهذا ذهبت بكل إباء وشمم لمكتبة مجاورة و"سجلت" اسم ابنتي في قوائم انتظار طويلة تاركة رقم تليفون بيتنا.. وكانت المفاجأة هي اتصال ليلي من المكتبة تخبرني أن حقيبتي رقم أربعة وعشرين وأن "المطلوب" كذا وأنني يجب أن اتسلمها الآن وإلا ستذهب للقادمين للمكتبة بدون تسجيل اسمائهم
طرنا للمكتبة وقلنا"كلمة السر" : أربعة وعشرين.. فصحبنا أحدهم إلى سيارة متربة تقف بجانب المكتبة و"سلمنا البضاعة" داعياً للبنية بالنجاح
!!!!!!
ألهذا الحد وصل بنا التعلّق بأسباب النجاح وافتقدنا الثقة فيما يُقال عن اختلاف نظام الامتحان وطريقة تقييم الطالب؟
نعم
فطريقة تقييم الطالب في امتحانات الثانوية العامة في العام الماضي والتي هبطت بالمجموع المعتاد لم تحمل غير هذا المؤشر بينما ظلت نفس الطريقة سائدة.. وحتى لو اختلف الأمر هذا العام فلا أظن الطلبة قادرين على اجتياز امتحانات تعتمد على الفهم بدلاً من التلقين باستخدام الكتاب المدرسي المُتاح
ولأنني مازلت مُتفائلة –رغم حزني لكون أبنائي يمرون بهذه التجربة الفيرانية الشكل- ولأنني مازلت آمل أن يتمخض الجبل عن فيل وليس فأراً فأنا سأخبيء الكتب الخارجية في مكان أمين مبدئياً خوفاً من أي "كبسة" على البيت وسأدعو أن يكون الأمر قد استتب عندما يصل أحفادي ان شاء الله لمراحل التعليم المختلفة
...
بجد لنا الله



