فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ.. الرعد17
......
في تلك اللحظات التي استجمعت نفسي كثيراً كي أعيها تمر ببالي تلك الآية الكريمة وأتدبّر معناها الواسع فيقودني التدبُّر إلى تخيل السيول التي تفيض بالوديان فينشأ عن اندفاعها زَبَد كثير يجعل الرائي يتخيل أن الأمر كله زَبَد.. رغوة عارمة بلا فائدة.. رغوة مُضللة توحي أن لا ماء هناك ولا خير.. ولكن لا يلبث الزَبَد أن يذهب ويظهر الماء الرائق من تحته وكأن الماء والزَبَد هما الحق والباطل.. الباطل الذي يُضلل الناظر فلا يرى سواه.. بينما الحق دوماً هناك..موجود بإذنه ومشيئته
في تلك اللحظات التي مرت بي رأيت بعيني الزَبَد يذهب جفاء
رأيت الباطل يذهب ويظهر الحق جليّاً
وكأن الحلقة لم تكن لتكتمل بغير تلك اللحظة التي يُحاكم فيها المُفسِد على فساده.. لا يقيه ولا يُحصّنه منصب أو جاه
يا الله
كم أنت عظيم يا الله أن منحتنا تلك الرؤية.. وكم أنت رحيم بنا وأنت ترينا ذِلة سلطان جائر فلا يغيب فينا العقل
الشيخ المُسِنّ الطاعن في العُمر لم يفهم بعد
بينما نحن فهِمنا ووعينا
الشيخ المُسِن ملامحه الآن على كل الصفحات مُثيرة للشفقة..ربما واضعوها يتعمّدون تلك الملامح لسبب ما.. لكن تلك اللحظة بقدر ما تتحمّل التشكُّك في كل شيء تتحمل أيضاً أن نوقِن أن العدل قيمة تتوازى مع قيمة الرحمة ولا تتناقض معها
وأياً ما كان آتياً لعزيز قوم - أذل نفسه بفعلِه - فما رأيناه هو آية من آيات الرحمّن
يَرِق قلبي .. رغماً عني.. فتجوب عيني صور شهداء الحرية وكلمات للشيخ المُسِن تؤكد أنه لم يَعِ شيئاً ولم يدرِك فداحة أفعاله
يَرِق قلبي فتغشى ذاكرتي صور المظلومين والفقراء ومجاذيب الطريق
يَرِق قلبي لشيخ لم يَرقّ قلبه لرؤية بلد تفقد هويتها وهيبتها فأشعر أن إحساس الشفقة لا يليق
اللهم إنا سألناك العدل فمنحته
اللهم فامنح قلوبنا خشيتك
اللهم اذهِب عنا الزَبَد ودَع في أرضنا ما ينفع فيها
اللهم آمين
