Sunday, September 25, 2011

قاطع طريق


ما الذي تعرفونه عن قاطع الطريق؟ 
يقيني أن أول ما يخطر بالبال هو مُلثّم على فرس  أو ناقة يستوقف قافلة ويستولي على ما ومن  فيها..
صورة قديمة جداً؟؟ نعم إنها بالفعل كذلك.. لنُحدّثها قليلاً
إنها مجموعة سيارات تكمن خلف تلة على طريق صحراوي طويل بمنطقة نائية تظهر لسيارة تمر وحيدة وتستولي على ما فيها او ربما استولت عليها وقتلت من فيها أو كانوا من الرحمة بحيث يتركونهم يجوسون في الصحراء يجاهدون الجوع والعطش بحثاً عن طريق !!
نعم كان يحدث هذا في السعودية مثلاً.. وكان خبر إعدام قاطع الطريق الأشهر رشاش العتيبي بعد إلقاء القبض عليه في اليمن خبراً مدوياً منذ عقود ويتكرر هذا إلى الآن بمعدلات أقل.. وكان يحدث هنا في مصر على استحياء من عرب يسكنون الصحراء ولكن أخبارهم القليلة ما كانت لتمثل شيئاً بجوار قطع الأرزاق الذي كان يحدث في شوارعنا المزدحمة
الآن قطع الطريق أخذ طابعاً آخر وصار لا يفعله المجرمون.. علينا أن نفهم أننا قمنا بتغيير معنى كلمة أصيلة في المعجم العربي
معنى كلمة قاطع طريق!!
ما الذي يدفع مواطناً أو مجموعة مواطنين إلى قطع طريق؟
كان لابد لي أن أسأل بعدما قرأت عدة أخبار متتالية عن مواطنين شرفاء –بل مظلومين- يقومون بقطع طريق رئيسي مؤثر لإجبار أولي الأمر على الإستماع لهم.. مجرد الإستماع لمطالبهم
غني عن القول أن قطع الطريق مصطلح جديد دأبت وسائل الإعلام على استخدامه منذ فترة وقبل اندلاع الثورة بقليل في مقامات محددة.. فهي مثلاً لم تستخدمه عندما كان المواطنون المظاليم في العهد البائد يقيمون اعتراضاتهم على الأرصفة المقابلة للهيئات الحكومية التي من المفترض أن تسمعهم وكان يطلق عليهم "المعتصمين/ المعترضين" للتقليل من شأن الحدث.. ومازال بعيني حوار تليفزيوني مع بعض الموظفين الذين سُرّحوا من أعمالهم أو توقفت رواتبهم وقد وقفوا بملابسهم الداخلية الممزقة ينفخون في "زمّارة" أمام مجلس الوزراء أيام العهد البائد لينصفهم.. وحتماً لم يفعل آنذاك.. لكن لفظ قاطع طريق استعملته وسائل الإعلام في وصف ما يفعله أهل قتيل لقي حتفه في طريق مهمل مثلاً؛ فيخرج أهالي البلدة للتنديد والوعيد وقطع الطريق وكأنهم يصرخون هذا طريق.. أو للأخذ بالثأر من حافلات تدهس الرائح والغادي دون أمن يذكر أو تواجد مروري يحفظ لهم حياتهم
ولكن الآن وكما تطورت الأحداث منذ اندلاع الثورة؛ تطور الاعتراض وأُطلق عليه في وسائل الإعلام : المطالبات الفئوية
وتلك المطالبات قُوبلت باستهجان من كل القوى السياسية حيث أن " الظرف دقيق" ولا يحتمل.. و" البلد في مرحلة انتقالية" ولا تحتمل.. ولكن لا حديث في المقابل عمّن يمكنه أن يحتمل فكرة تسريح عامل وإغلاق بيت وتشرد أسرة.. هذا حادث بالفعل وعلي أن أؤكد أن هناك مطالبات أيضاً بها إجحاف وظلم بيّن حيث تمثلت في الضغط على أصحاب الأعمال الخاصة غالباً لتحقيق أقصى فائدة ممكنة وربما أنهم لا يعون أن صاحب المال لا يمكنه الصمود طويلاً أمام وقف الحال وزيادة الشغب وما عليه غير أن يُريح أعصابه ويغلق محل العمل ويدع أمواله تحت بلاطة أحد البنوك !!
وعاد مصطلح قطع الطريق..
إن ما يدفع الناس هذه الأيام إلى " قطع طريق" لأن الأمر تعدّى المطالب الفئوية المعتادة وصار اعتراضاً على سياسة ما.. أو اضطهاد ما.. أو لعزل فاسد ما من منصبه او تأخر في تنفيذ مطلب ما.. تطور حاد في وسائل الاعتراض أظنه عَرَض طبيعي من أعراض حالة ما بعد الثورات
وبعد شهور طويلة من الثورة عاد التعامل في الفترة السابقة مع قطع الطريق كما كان قديماً.. دعوهم فسوف يملّون.. كان الأمر في بداية أيام الثورة أكثر تأثيراً وأشد.. وكان هناك من يلتفت ليفاوض " قُطّاع الطرق" ويستمع لهم.. كان قطع الطريق مؤثراً حينما علت كلمة الشعب الذي استمسك بطهارة ثورته ولكن الأمر عاد كما عادت ريما.. وريما دوماً تعود
تعود في الظلمة التي تغشى المشهد وتلوث الثوار الذين مازالوا منشقّين على أنفسهم ويحب كل منهم مِصرّه بطريقته.. فيتعرضون لأساليب ريما المختلفة في القمع والتنكيل
أليس هناك من أذن تسمع وقلب يستجيب لمطالب عادلة دون دفع المظلوم دفعاً لقطع الطريق؟

Saturday, September 17, 2011

شراب الخوخ





هل أعادت حقاً الخطوة التي اتخذها المجلس العسكري بشأن تفعيل بعض مواد قانون الطواريء- هل أعادت الأجواء في سماوات الرأي إلى أيام الثورة الأولى حيث كان نداء الحرية يتعالى فوق كل الأصوات حتى أنه أجبر "رأس النظام" على السقوط؟ سؤال يفرض نفسه في ظل تلك الإستفتاءات المتوالية التي تملأ الصحف على اختلاف اتجاهاتها وترتفع فيها أسهم قانون الطواريء بشكل ملحوظ منذ أيام !! ويقول ألف قائل أن هذه الجرائد المغرضة تمارس ألاعيباً معروفة لتزوير الرأي العام والتأثير عليه.. ويؤكد ألف قائل أنه إعلام الفلول الذي ما زال يسيطر ويفرض سطوته هنا وهناك وفي كل مكان 

وهذا القائل رغم مصريته وليبراليته ورأيه السديد مخطيء بلا شك.. فالأمر لن يستغرق إلا دقائق معدودة يوجه فيها السؤال إلى أي سائر في الطريق ليقول له ويؤكد : نعم .. نحن بحاجة لقانون الطواريء.. ألا ترى الحوادث تزداد في كل مكان؟ ألا ترى البلطجية يفجرون ويعتدون بلا رادع ولا خوف؟ 

وإن شئنا الدقة.. هذا هو لسان حال الناس فعلاً رغم أنهم لم يصوتوا في تلك الإستفتاءات التي نعلم زيفها الدائم.. ولكنها الحقيقة المرّة التي لا مهرب منها.. والتي ظهرت في القِلّة التي أيدت جمعة "لا للطواريء" بالذهاب 

لعل الأمر أبعد من ذلك.. لعل الجمعة الفائتة" جمعة تصحيح المسار" وما صاحبها من أحداث في نهايتها وَصَمت الثورة ببعض الأفعال المشبوهة التي باعدت بين الناس وبين النزول لإعلان المعارضة لقانون سيء السمعة طالما نادى الناس بتوقيف العمل به.. بل أذهب بالقول أنه أحد أسباب قيام الثورة ذاتها !! 

ولكن ما الذي حول هذا المشهد اللامنطقي إلى حقيقة؟ ما الذي جعل الناس يرغبون حقاً بتفعيل قانون يقضي بتوفيقهم للاشتباه في أي لحظة؟ إنه الأمـــــن المُفتَقَد.. 

الناس ترى في الطواريء حلاً للحصول على حياة آمنة افتقدوها.. ويختلط في الأذهان الكثير من المفاهيم بين الوجود الطبيعي للأمن وقوات حفظه التي يجب أن تتواجد بشكل مستمر في كل مكان وبين قانون لم يتم تطبيقه إلا على المعارضين من كافة التيارات. 

مرّت شهور طويلة منذ أن فُتحت أبواب السجون وانطلق المسجلين خطر والمشبوهين والبلطجية في ربوع البلاد.. ولم يُحاسب بعد من فتح تلك الأبواب!! لم يُحاسب من أطلق العنان لمارد الشر في النفوس الضعيفة التي وجدت في الفوضى مكاناً لها.. ولم يتحرك ساكن لوزارة الداخلية!! لم نشعر بتواجدهم بالمرة طوال تلك الشهور.. دأبوا على الإختفاء وقت الاحتياج لهم ودأبت الوزارة على الخروج بتصريح كل حين أن هناك خطة جديدة لنشر قوات الأمن التي يثبت الوقت أنها لم ولن تنتشر إلا في ظل تفعيل قانون الطواريء!! 

سأدع الخيال ينسج نسجاً ملائماً حول المؤامرة التي هي حتماً تُحاك لنرضى بشراب الخوخ صاغرين.. وما تفعيل قانون الطواريء إلا نموذج لأشياء كثيرة سيقبلها الناس للخروج من النفق المظلم والحصول على وطن آمن.