لفت انتباهي طبعا بملابسه الداخلية المزركشة التي يسير بها في أحد شوارع مصر الجديدة حيث كنت في السيارة أنتظر فأغلقت الشبابيك و نظرت له وهو يسير وكأنه يرتدي بدلة كاملة ويمعن النظر في سيجارة بيديه يدخنها ولا على باله .. المجانين لا يهاجمون المارة وراكبي السيارات .. فقط العقلاء الفاقدين للأمل ولمقومات الحياة يفعلون
مضى المجنون إلي حاله وتذكرت أني تحدثت يوما عن المتحدثين إلى أنفسهم .. لكنهم كانوا بملابسهم كاملة لم ينزعوها بعد ولم أتعجب فهذا هو التطور الطبيعي للحياة الساقعة .. تذكرت أني أنتظر في السيارة لحين يأتي طبيب يتقاضى مائة وستون جنيها ليكشف على ابني .. أحكمت ذراعي حول ملابسي ومضيت أحصي ما معي
بالأمس قالت لي صديقتي التي انتهى الطبيب توا من نزع رحمها أنها اكتشفت غبائها متأخرا جدا .. فقد كانت تستنصح على الحياة بينما الحياة قد استنصحت أكثر وأعطتها خازوقا خرج من أنوثتها .. فقد كان لقبها في عائلتها 'المرأة البلدي' ذلك لأنها تسرف في الامتناع عن المصنعات والملوثات وتستجيب لوسوسات تدعوها للعودة للطبيعة في مأكلها ومشربها .. ضحكت وقالت : نسيت أن الطبيعة في بلدنا صارت منبع التلوث .. كانت مازالت بلباس المستشفى .. لم تنزعه مع عقلها بعد
وبالأمس الأسبق مات شوية بشر بسبب حادثة قطار .. طبعا تعلمون جميعا تفاصيل الحادث المروع .. الأروع أنني بتذكري لهذا الحادث الآن قد أكون دخلت فيما يسمى بالـ تشين رياكشن .. وهو ما يمنعني من قول وانا مالي .. الله يرحمهم .. إحساسي بمأساة هؤلاء اليشر ليس مجرد تعاطف إنساني ولكنه إحساس باقتراب الخطر .. وذلك لأني متأكدة أن ما من شئ يمكن أن يبعدك عن المصائب في أم هذه البلد .. مهما علا شأنك وزاد مالك .. بجد .. أنت حلقة في التشين رياكشن فاعل او مفعول به وبأهله لا يهم .. بالبلدي أنت ملطوط مادمت تحيا هذا العصر البائس الذي ستحاول كتب التاريخ تجنب أحداثه بكل تأكيد ..إننا أساتذة في الضحك على أنفسنا فمن يكتبون التاريخ ملطوطين أيضا بالهم .. وتخيلت أهالي أموات الحادث وقد فقدوا صوابهم ومضوا كالمجنون إياه .. كم حدث مر علينا يستحق أن نجن من أجله .. لا أدري
كل ما أعلمه أن بقلبي سحابه سوده كتلك التي تغيم على سماء القاهرة ليل نهار