Wednesday, October 28, 2009

سحابه سوده



لفت انتباهي طبعا بملابسه الداخلية المزركشة التي يسير بها في أحد شوارع مصر الجديدة حيث كنت في السيارة أنتظر فأغلقت الشبابيك و نظرت له وهو يسير وكأنه يرتدي بدلة كاملة ويمعن النظر في سيجارة بيديه يدخنها ولا على باله .. المجانين لا يهاجمون المارة وراكبي السيارات .. فقط العقلاء الفاقدين للأمل ولمقومات الحياة يفعلون
مضى المجنون إلي حاله وتذكرت أني تحدثت يوما عن المتحدثين إلى أنفسهم .. لكنهم كانوا بملابسهم كاملة لم ينزعوها بعد ولم أتعجب فهذا هو التطور الطبيعي للحياة الساقعة .. تذكرت أني أنتظر في السيارة لحين يأتي طبيب يتقاضى مائة وستون جنيها ليكشف على ابني .. أحكمت ذراعي حول ملابسي ومضيت أحصي ما معي
بالأمس قالت لي صديقتي التي انتهى الطبيب توا من نزع رحمها أنها اكتشفت غبائها متأخرا جدا .. فقد كانت تستنصح على الحياة بينما الحياة قد استنصحت أكثر وأعطتها خازوقا خرج من أنوثتها .. فقد كان لقبها في عائلتها 'المرأة البلدي' ذلك لأنها تسرف في الامتناع عن المصنعات والملوثات وتستجيب لوسوسات تدعوها للعودة للطبيعة في مأكلها ومشربها .. ضحكت وقالت : نسيت أن الطبيعة في بلدنا صارت منبع التلوث .. كانت مازالت بلباس المستشفى .. لم تنزعه ‏مع عقلها بعد
وبالأمس الأسبق مات شوية بشر ‏بسبب ‏حادثة قطار .. طبعا تعلمون جميعا تفاصيل الحادث المروع .. الأروع أنني بتذكري لهذا الحادث الآن قد أكون دخلت فيما يسمى بالـ تشين رياكشن .. وهو ما يمنعني من قول وانا مالي .. الله يرحمهم .. إحساسي بمأساة هؤلاء اليشر ليس مجرد تعاطف إنساني ولكنه إحساس باقتراب الخطر .. وذلك لأني متأكدة أن ما من شئ يمكن أن يبعدك عن المصائب في أم هذه البلد .. مهما علا شأنك وزاد مالك .. بجد .. أنت حلقة في التشين رياكشن فاعل او مفعول به وبأهله لا يهم .. بالبلدي أنت ملطوط مادمت تحيا هذا العصر البائس الذي ستحاول كتب التاريخ تجنب أحداثه بكل تأكيد ..إننا أساتذة في الضحك على أنفسنا فمن يكتبون ‏التاريخ ملطوطين أيضا بالهم .. وتخيلت أهالي أموات الحادث وقد فقدوا صوابهم ومضوا كالمجنون إياه .. ‏كم حدث مر علينا يستحق أن نجن من أجله .. لا أدري

كل ما أعلمه أن بقلبي سحابه سوده كتلك التي تغيم على سماء القاهرة ليل نهار




Saturday, October 17, 2009

لا تمــــــرض

منذ أيام قليلة استمعت لصحفي مشهور أصيب بفيروس اتش وان إن وان (الخنازير يعني) في حديث له في برنامج تليفزيوني كان يحكى فيه عن تجربته تلك وعن المهازل التي تعرض لها في مستشفى حميات العباسية .. وللعلم فإن هذا المستشفى هو المكان المنوط به استقبال الحالات المصابة بهذا الفيروس .. المهم أن هذا الصحفي الشهير حكى أنه هرب بجلده من عنبر مليء بالمرضى المصابين بكافة الأمراض الصدرية .. وروى انزعاجه من فكرة دخوله بمرض وحيد وخروجه بمجموعة أمراض إن قدر له الخروج ..ثم أفاد بأنه قد توجه إلى مركز بحثي أمريكي كان يعمل به ليتلقى هناك العلاج في النهاية
.. وقتها فقط أحسست بالضياع .. وفكرت فيما لو أصبت أنا أو أحد أفراد أسرتي بالمرض لا قدر الله أين سنذهب ؟ وكيف سنواجه هذا الموقف ؟
واقع الأمر يقول أن المواطن العادي في بلدنا سيرضخ للذهاب إلى تلك المستشفى الوحيدة والتي خصصتها وزارة الصحة فقط لاستقبال المرضى لسبب وجيه جدا وهو : احصاء حالات الإصابة بدقة !!ا
نعم .. فالوزارة تهتم بإستكمال أوراقها على حساب وجود علاج آدمي للمصابين !! وهو الأمر الذي يجعلك تشعر أنك أرخص من الورقة التي يدونون بها عدد الحالات
بالأمس علمت أن اجراء المسحة التي تبين إمكانية وجود الإصابة من عدمها في المستشفيات الخاصة يتكلف ألف ومائتين من الجنيهات .. تخيل لو ‏أن أحدهم دفع ذلك المبلغ وتبينت له الإصابة .. كم ستكون كلفة العلاج إذا؟ لا أعلم أصلا ان كانت تلك المستشفيات قد صرح لها باستخدام التامفلو وهو العقار الوحيد المعالج أم لا فقد قرأت تصريحات عدة بأنه غير متداول إلا في المستشفيات العامة التابعة لوزارة الصحة !!!ا
وبالأمس فقط علمت أن مكان عملي قد تعاقد مع أحد تلك المستشفيات ليتوجه إليها العامل وأفراد أسرته في حالة توجسه من الإصابة وستقوم بتقسيط التكاليف .. الحق أنني استرحت قليلا ولكني ما زلت لا أعرف حدود ما يمكن للمستشفيات الخاصة تقديمه في ظل تعنت الوزارة وتمسكها بمسألة الإحصاء .. وأدرك أنه حل لا يفيد سوى البعض ولكن كم مؤسسة ستقدم على هذا !! وهل سيهتم مثلا قطاع الأعمال الخاصة بتأمين موظفيه بدلا من عصرهم عصرا .. اتمنى ان تحاول جهات العمل على اختلافها أن تدير الأزمة بعد أن عجزت لجنة إدارة الأزمات'ان كان هناك كيان يحمل هذا المسمى' عن طرح حلول مماثلة .. فهو الحل المنطقي المتاح بعد أن صار المتغطي بالعلاج الحكومي عريان
وقد عجز ذهني عن الوصول لحلول للفئة العاطلة عن العمل أو أرباب المعاشات وهي نسبة لا يستهان بها كما نعلم جميعا
كل ما خطر ببالي بعد تفكير في هذه الأزمة هو أنها أظهرت أسوأ ما في مجتمعنا من فساد واهتراء في كل النواحي .. فلا شك عندي من تمييز انساني طبقي حادث على أعلى مستوياته لصالح فئة بعينها على حساب البسطاء

في النهاية .. عزيزي المواطن محـــدود الدخل محـــدود الواسطة محـــدود المواطنة إليك النصيحة التالية : لاتمــــــرض‏

Sunday, October 11, 2009

سلوك لبلابـــــي





في ليلة أكثر ازرقاقاً من هذه الليلة وبينما كنت جالسة في أمان الله أحتسي الشاي الأخضر ‏بالنعناع وأمسك بالموبايل في يدي كالمعتاد.. أتصفح ببراءة متناهية وفي نفس الوقت -كالمعتاد أيضاً- أحسب كم تبقى لي من ميجات لهذا اليوم ‏وهي حسبة يومية أبدأها مبكرا كل مساء لأفاضل بين ما أريد تصفحه والتعليق عليه وعدد الميجات وعدد الساعات .. وهو أمر يتطلب دقة وحسن اختيار ودماغ متيقظة لأهمية الاولويات..وهي مفاضلة منحتني عبر امتداد السنوات كفاءة محاسب ودقة طبيب وذكاء مهندس وليونة "مفاوض".. إنه أمر لا يعرفه اولئك " الدي اس اليون " الذين –واللهم لا حسد بالمرة- في النعيم يرفلون



ثم وإذ فجأةً ألمح بطرف عيني اشارة غريبة على شاشة الموبايل .. وعندما تقصيتها وجدتها وياللعجب وايرلس سيجنال ووجدت امامها لفظة : آفيلابل !! وعندما ضغطت عليها إذا بها : كونكتد !! وهنا كان توجهي مباشرة الى المتصفح الأصلي للموبايل ذو الإمكانيات الخاصة والذي أبتعد عنه لأنه يحمل الصفحات بافتراء زوجة أب .. ويحمل اشتراكي اليومي ثلاثين ضعفا عند استخدامه.. وكتبت فيه "جوجل" فجائني جوجل سريعا واضحا مصورا ملونا في نسخته الكلاسيكية المفضلة وليست نسخة الموبايل المختصرة بإخلال وهنا اهتز الموبايل في يدي - كدت أبكي من فرط التأثر - .. فكتبت عنوان "طيارة ورق" فجائني بلوجي زاهياً .. وانتقلت كعصفور شارد تائه من هنا إلى هناك ثم

!!!!ا

ثم أغلقت المتصفح فجأة وقد أفقت لنفسي وكأنها لدغة عقرب وأصابتني..شعور فظيع ‏بأني ‏مددت يدي في جيب أحدهم وأخذت بضعة جنيهات.. ‏فهذا ‏الوايرلس خاص بـ "دي اس ال" الجيران .. لقد تركوه مفتوحاً .. اذن فهو ليس حقي .. فقد اعتدت الدفع مقابل كل بايت.. وكنت دوماً اؤكد لنفسي أنها سنة الحياة وأن ما من شيء في الحياة دون مقابل الخ

وظللت اهز رأسي وأهتف : لست أنا التي تفعل هذه الفعلة الشنعاء.. ما أنا بلصة

وجاء الشيطان الرجيم.. ذلك الموسوس الذي تعرفونه جميعا بكل تأكيد ليوسوس في أذني الوسطى : ومن أدراك أنه حرام.. اسألي شيخاً وتحري قبل أن تضيعي على نفسك فرصة.. فقط توجهي للشيخ المناسب

ولأن الشاي الأخضر كان ثقيلاً فقد كتم على أنفاسي وجعلني أذهب هنا وهناك بأفكاري وكان السؤال : ما حكم استخدام الوايرلس كونيكشن اذا لم تكن شارته ملك لك تدفع ثمنها؟وهل يحق لك الانتفاع بها ان كان مالكها تاركا لها سداحا مداحا عبر الأثير؟

فزعت قليلا عندما تخيلت أني اتصل لأسأل هذا السؤال في برنامج "اسألوا يرحمكم الله" على قناة "البر والإحسان" وتخيلت الشيخ وهو يجيبني بأنني آثمة ويجب علي مسح ما تصفحته من ذاكرتي وما داونلودته من تليفوني إن كنت أثمت بداونلدة أي شيء لأن التصفح ليس كالداونلود كما يعلم الجميع ..وأفاض مذكرا إياي بألا أعاود الكرة أبداً بتاتاً وأعلنها توبة نصوحة

وذهب خيالي إلى أبعد قليلاً عندما استقبل البرنامج مداخلة من الأخت "أم صالح" لتلعن على الملأ أمثالي من اللبلابيين الذين يتصفحون على قفا دافعي الاشتراك الأبرياء البسطاء الغافلين

ثم مداخلة أخرى تطالب بتبصيري بوجوب تصفحي بمحرم أرشد مني لينبهني إلى الزلات وأولها سرقة الحقوق والميجات حيث أني كامرأة ناقصة عقل لم استطع وحدي مقاومة مثل هذا الفعل المشين.. وان من تصفح بلاشاً قادر على سرقة البنك التجاري الدولي المركزي العالمي

ثم حدث أن ذهبت ذاهلة في غيبوبة قصيرة لأصحو صباحاً على جريدة " الجرسة" المستقلة وقد نشرت سؤالي متبوعا بتفاصيل الإجابة السابقة ومداخلات الأخوة تلاها رأي المحرر الذي تساءل عن دور وزارة "الانترنت" في مراقبة الفضاء وأين رقابتها على الموجات السابحة هنا وهناك

وتوالت ردود الفعل على صفحات الجريدة التي خصصت صفحة يومية لتلقي تفاعلات وآراء القراء لتصل - على حد قولها - إلى وجود قانون وتشريع ملزم

فبادر البعض أولاً إلى المطالبة بتشريع يلزم كل صاحب إشارة بتشفيرها والا تعرض للمساءلة القانونية ورد عليهم آخرون بأن هذا شبه مستحيل لأن البعض يغفل ذلك

بينما ذهب الكثيرون بمطالبة وزارة "الاستيراد" بالتوقف عن استيراد اجهزة المحمول واللابتوب اللاقطة لإشارات الشبكات وحظر تداولها وجمع ما يوجد منها في أيدي الأفراد لخطورتها على الأمن الاقتصادي للشركات العاملة في مجال البث وللحفاظ على اخلاقيات البشر الذين لا يعرفون الصح من الخطأ ولمزاولة إحدى مهام الدولة العليا وهي فرض الوصاية على أدمغتهم وتصرفاتهم اللامسئولة

وطالب البعض بحظر استخدام الانترنت ذلك اللعنة الموبوءة وماخور الفساد وتحريمه تماماً وقد رد عليهم المحرر بنفسه بملف صوتي يمكن تخمين محتواه

ودعا متعقلون آخرون شيوخ الأزهر الأجلاء لإصدار فتوى بتوحيد طريقة الاتصال بالانترنت عبر التليفون فقط أي" دايل أب" لأنها أكثر الطرق أماناً على المجتمع وسهلة في الجباية والمراقبة على حد سواء وقد تلقت الجريدة شتائم لا حصر لها من الشركات الخاصة ذات البيزنس في هذا المجال وقد عرضت الجريدة نموذجا لهذه الشتائم



وقد أدت كل هذه الجلبة لتمرير قانون في مجلس الشعب في خلال يومين اثنين يقضي بتأميم الأجهزة المذكورة والتوقف عن استخدام اللواقط نهائياً

وبعدها بعدة أيام دق جرس الباب لأجد أمامي مندوب العدالة الاقتصادية ماداً يده مطالباً إياي باعطائه موبايلي اللاقط للإشارة فأعطيته له كسيفة البال مكسورة الخاطر

.

.

.

وبعد ذلك بعدة أيام نشرت نفس الجريدة المستقلة أنباء عن أن رجل الأعمال المعروف علان العلاني - وقد جهّلت اسمه بحرفين – قد فاز بأول عملية تصديرية للبلاد منذ سنوات إلى دولة افريقية شقيقة وقد ربح من ورائها المليارات.. وأن الجريدة كمنبر حر تتساءل كيف ولماذا؟ وتتسائل عن دور وزارة " تنظيم السرقات" في هذه الفضيحة التي أخلت بموازين العدل بين كبراء المفسدين وأوغرت صدورهم على بعض .. وقررت الجريدة تخصيص صفحة لآراء القراء في المذكور وعملته الكحلي وتساءلت من وراءه وهل لمجرد الرغبة في التصدير نترك الباب مفتوحا للخبطة شئون الفساد والإفساد .. وطبعا لا يخفى على ألمعيتكم ان الصفقة كانت لتصدير أجهزة مستعملة لاقطة للإشارات

من أجل كل ما كان سيحدث ولا أظنه أبداً أبداً ببعيد قمت ذاهلة من غيبوبتي القصيرة وأغلقت الشارة والصفحة والموبايل وأنا أستعيذ بالله من الشيطان الرجيم .. و أعلنها الآن عالية مدوية على الملأ .. أنا أدفع كما تريدون وكما تقرر شركاتكم المصون .. ولست لبلابة ولن أكون.. فأنتم اللباليب اللهاليب لو تعلمون



Thursday, October 08, 2009

ونــس مؤقـــت




‏"لا يأتي انصهارنا مع الآخر صدفة .. بل هو وليد تاريخ تسطره أيامنا المشتركة معا" ..!ا
***
التقيتها أخيراً .. أخيراً جداً .. جمعتنا المصادفة في مناسبة عائلية فتركتها تضمني كما كانت تفعل دوماً ونحن صغار .. فقد كانت الأكبر و حنانها يفيض على الجميع .. وسألتني زيارتها في مدينتها الساحلية عند ذهابي فوعدتها بالزيارة صادقة .. وكيف لا أفعل وهي جزء مني شئت أم أبيت.. تاريخنا مشترك من اليتم والتحفز لأفعال وأقاويل الأهل.. واغتراب نحياه داخل أنفسنا مهما تظاهرنا بالتفاعل مع من حولنا .. اغتراب يجعلنا لا نفعل سوى الابتسامات المؤقتة ..نأنس لها .. لنستمر في الحياة بقوة دفع خفية .. كل على حده .. كل في صمت
خجلت أن أسأل عنها الأهل قبل ذهابي .. أخجل دوماً من السؤال عمّن أعتبرهم قريبين من القلب .. المفترض أن أعرف .. وكأن الحرج نال مني فأحجمت .. لذا ذهبت لها بجهلي عن تفاصيل حياتها .. آخر ما وصلني عنها هو زواج ثان طُلقت منه بعد عزوف طويل عن معاودة الكرّة زاد عن عشرين عاماً تفرغت فيهما لتربية الطفلين
لعل طلاقها الثاني هو مصدر الحرج
الطلاق الأول قد يُغتفر أما الثاني فقد يحكم على صاحبته بالإنزواء الأبدي.. وأظنه قد فعل
ربما تناثرت بين الأهل أقاويل شتّى عن جنون زوجها الثاني وغيرته الحمقاء عليها .. و ترديد بعض الكبار أن لديه الحق كل الحق فرغم كل شىء مازال للورد رائحة جميلة .. وهي كانت بارعة الجمال .. لقد اكتفت سيدات العائلة بالصمت .. أقعدهن جمالها الهادىء واتزانها المعتاد عن خوض بحار نميمة لا تنتهي
لماذا لم أعد أسمع عن أخبارها شيئاً ؟ هل زهدوا سيرتها ؟
أظنه الجيل الجديد من فتيات العائلة بجنونه واندفاعه قد جذب الانتباه بعيداً عن الكبيرات في الاهتمام والتحري
..
رجل فضي الشعر هو من استقبلني أولاً بابتسامة مرحبة .. حسبتني أخطأت العنوان حتى لمحت شعرها الأحمر يتألق فوق رأسها من خلفه .. زالت غربتي القليلة عندما جذبتني إلى أحضانها منادية إياي باسم لم اسمعه منذ سنين
قدمتني إلى الرجل .. وقدمته إلي .. أستاذ جامعي أسبق و زوجها
تركت نفسي لذكرياتي معها وضحكاتنا التي علت وهو يشاركنا بابتسامه صغيرة .. ورغم قوامه الرياضي وإشراقة وجهه لم يستطع إخفاء ارتعاشة يديه وهو يحشو البايب بوريقات التبغ الصغيرة
تركتني معه للحظات فتبادلنا كلمات المجاملة وعادت وقدمت له فنجان قهوة تركي تفوح منه رائحة حبهان مطحون .. ثم لمست شعره الفضي اللامع برقة متناهية وانحنت لتطبع عليه قبلة خاطفة قبل أن تجلس وتسألني عن أحوالي
ملأت روحي السعادة لأجلها .. هل هناك أجمل من روح محبة تنقضي معها وفي أحضانها أيامنا المتبقية .. وبدأت عيناي تجوبان المكان لأطالع ذوقها الرائع منثور هنا وهناك
ومع طول جلستي وامتداد أحاديث الذكريات .. تنبهت لغرابة الأشياء من حولي وكأن كل منهما حمل ماضيه معه ووضعه - بعناية في عشهما الصغير .. رأيت أشيائهما الجميلة تأبى الانصهار
رأيت مقعدها يختلف عن مقعده .. يتجاوران في مواجهة الشرفة المطلة على البحر من عل لكنهما مختلفان .. رأيت شرفتهما تحوي نبتات خضراء زاهية لا تشبه بعضها البعض تتجاور في آنية واحدة تهتز وكأنها تشكو غربة ما .. رأيت عصفورين مختلفين في قفص واحد يستكين كل منهما في ركن بعيدا عن الآخر .. نعم لهما ذات الريش الملون لكنهما يبدوان وقد انتزعا من أقفاصهما ليظلا حبيسين معا
وسمعت .. رنين راقص لهاتفها يناديها ألف مرة في مكالمات عمل .. وهاتفه صامت كالصحراء .. لم أسمع له رنين
سمعت حكاياه عن أسفاره التي لم تشاركه فيها .. وسمعت عن نجاحاتها في عملها الذي لا يعرف عنه شيئاً
سمعت حديثه الدائم عن ابنه المهاجر .. و أحاديثها المطولة عن أولادها ونجاحاتهم وأحفادها الذين أوشكوا على المجىء إلى الحياة
سمعته يحكي عن عشقه للعاصمة التي حرم منها في شبابه كثيراً نظراً لسفره للدراسة والتدريس ورغبته في زيارات دائمة للأوبرا
وسمعتها تشير إلى مقتها للعاصمة وشرائها لبيت بحديقة واسعة على شاطىء البحر لتمضي فيه كل أيامها بعد انقضاء سنوات عملها الشاق
شقّ علي أن أتمزق بينهما جيئة وذهاباً .. أحسست تعباً .. وأدركت أنها ربما تكون في طريقها لمزيد من الانزواء
وضعت على خدها قبلة وداع قبل أن أغادر

خُيل إليّ أني أفهم – حد الوجع - معنى ابتسامتها الأخيرة




Saturday, October 03, 2009

شئ كثيـــر من الخــوف



لا أظن أني وحدي في هذا الأمر .. ربما أني قليلة الكلام مع الآخرين-نعمة عظيمة أن تمتلك القدرة على الصمت- ولكن ربما كان هناك الكثيرون مثلي لكنهم ‏لا يتحدثون في هذا على وجه التحديد
ما أعنيه ‏هو خوفي
أعترف بالخوف .. القلق .. ‏فقدان السلام الداخلي .. كل هذه المترادفات السلبية جميعا
الحياة من حولي صارت قاسية جدا بقسوة قاتل معتاد الإجرام .. ليس الأمر شخصيا بقدر ما هو عام وشامل .. الحياة من حولي تدفعني لكل ‏هذه المشاعر السلبية .. مجتمعة .. الحياة في بلدنا صارت عذابا مقيما لا يدركه غير المحاصرين فيه
إنه عذاب في الماء والهواء والرزق والعلاقات الإنسانية .. كل شئ
الحمد لله .. أ ذكر نفسي أن أحمد الله آناء الليل وأطراف النهار عندما أتذكر من هم أدنى مني
أذكر نفسي بنعم لا حصر لها .. نعمة صحة لا تدفعني لعذاب الإهمال مضافا إليه عذاب المرض .. وبأبناء لا يتكدسون في حجرة دراسة مع ثمانين طفلا آخر ..وبمال يقتل في سبيل جنيهات ‏قليلة منه أحدهم نفسه لعجزه عن الحصول عليه .. الحمد لله .. ولكن خوفي مازال يسكنني وشيطاني الصغير يعابثني
لطالما تسائلت عن ‏سقف طموح كل إنسان أقابله .. لماذا يستكين وهو يملك أن يجاهد أكثر لينال حياة أسعد؟ بواب منزلي يحيا بحجرة في الجراج تغمرها المياه كل حين هو وزوجته وابنائه ! بينما يملك منزلا في بلدته البعيدة بناه من كده وتعبه ! كيف يقبل بأن تنقضي حياته في قبو ويحيا مأمورا بينما هو يملك أن يحيا فوق الأرض ولو بأجر أقل ! هذا اختياره لكن لماذا؟
لماذا لا يعمل أحدهم أكثر أو يتعلم أكثر ليتحسن في مكانه؟
أهو الخوف من الفشل والرغبة ‏في السكون والركون ‏إلى المتاح؟ أهو اختلاف العزائم؟ أهي الحياة فقط تسحبنا كموجة عالية في بحر هائج؟
أخشى ما أخشاه لو صرحت بما قلت لآتاني من يذكرني بأن الله خلق الناس طبقات وأن الرزق بيد الله وكأني لا أعلم ! بلى أعلم ولكني فقط أتحدث عن هؤلاء الذين في أسفل سافلين .. أتسائل عمن تسبب في عجزهم واتسائل عن حقوقهم في مجرد طموح سرق منهم وعن هولاء الذين يركنون ويستسلمون
لطالما تسائلت ومنذ عشرون عاما لماذا بلدي ليست كباقي البلاد ولماذا نقضي العمر لنحصل على ما يناله الآخرون بصك الولادة في بلادهم؟ أهي طبيعتنا الخانعة؟
لماذا اذن لم اهرب ‏أنا من هنا؟ وفيم بقائي وبقاء الآخرين مادمنا لا نفعل شيئا لصالحنا؟ لماذا يبتلع كل منا خوفه ويجاهر على أقصى تقديرلصديقه المقرب بسخطه ويتناساه بعد لحظات؟
أسجل لنفسي هنا خوفا مستمرا متزايدا يزيد مع الأيام من كل شئ وعلى كل شئ
لطالما أملت بأن الغد أحسن ولكني ما زلت آمل ولم يأت الغد الأحسن بل تتتالى المؤرقات والمحبطات وتتضخم وتأخذ صورا مرعبة كل يوم عن سابقه بينما أنا كما أنا آمل وأؤمن أن الغد الجميل آت ‏.. فقط أضفت إلى أملي أني ربما لن أكون على قيد الحياة ‏لأشهده