لا أقصد المتلونين أو المتحولين أو أياً ما سيخطر بالبال هذه الأيام.. بل ما أقصدهم هم جيل الوسط.. جيل عمره في أواخر الثلاثينات وأوائل الأربعينات.. ذلك الجيل الذي عاش عمره يرى صورة مبارك مُعلّقة فوق الفصل الدراسي وفوق الكوبري وفي مداخل المُدُن وفي نشرات الأخبار واحتفالات أكتوبر.. جيل استمع لايمان البحر درويش وعلى الحجّار ومحمد الحلو ومحمد ثروت
جيل كهؤلاء المطربين الذين لم يُحاربوا ليستمروا على الساحة.. لم يحاربوا لتحقيق نجاح وتاريخ لأعمالهم.. جيل اكتفى بتحقيق انتصارات زائفة يُرضي بها بقايا غرور
ماله هذا الجيل؟ ما عيبه؟ إنه الجيل المُستسلم بالطبيعة والممسوحة ذاكرته تقريباً.. الأنسب أن أطلق عليه جيل الظل.. ولأن التعميم أمر لا يرتضيه الجميع سأقول إن هذه سمات هذا الجيل إلا من رحم ربي
نعم هو جيل الظل.. حيث لم يفهم أبداً أنه يمكنه إحداث تغيير.. تعاطى مع الحياة من مقعد المتفرّج الساخط المُنتَقِد المستسلم للظلم المُراقِب له.. ولم يستح أن يظل مُراقِباً للثورة واضعاً يده على قلبه.. أعرف كثيرين من هذا الجيل-جيلي- كان أول ما نطق به لحظة انطلاق الثورة: الولاد دول أجدع مننا ألف مرة
إنه الجيل الذي انخدع بكلمات الطاغية في خطابه العاطفي وتعجّب للحظة من رفض شباب الثورة له !! وبعض لحظات تفكير قليلة أفاق بأن الأولاد الصغار على حق !!ا
إنه الجيل الذي نَمَت خلاياه وأحاسيسه على إعلام مُنافق وأدرك نفاقه ولم يفعل غير الإستسلام له
إن هذه الثورة وآثارها في علم الغيب وسيحكم التاريخ على مايحدث في هذه الأيام.. ولكن هذا الجيل الغارق في التوازنات والذي تؤهله بعض خبراته إلى رؤية أبعد قليلاً تجعله يحسب حساب كل خطوة ألف مرة.. وربما كان التسرع الذي كان يراه طيلة الوقت سمة من سمات الشباب أمراً مُعيقاً له عن فهم أسباب اندلاع الثورة التي لو توقف الشباب أمامها كما فعل الجيل السابق لما قام بهذه الخطوة أبداً
هذا الجيل لم تعالجه الثورة بعد بصورة كاملة حيث اتجه معظمه إلى التنظير وانكبّ على التاريخ يحاول استقرائه لمعرفة أوجه التشابه والاختلاف.. يجذبه تكوينه المُستسلم للإكتفاء بأي نجاح يُذكر.. يميل إلى استقرار زائف ويخاف من غضبة ولي الأمر.. ولم تُزده ملفات الفساد لكل أركان النظام السابق والتي تم فضحها إلا إلى الرثاء على النفس.. بل ولومها خفية قائلين : لو أننا كنا بالشجاعة الكافية لكنّا فعلناها قبل عقد أو اثنين ولكان أولادنا الآن بحال أحسن
هذا الجيل يُعاني هذه الأيام الفاصلة مُشكلة لا يُدركها أحد.. إنها إحساسه بالتقصير ولوم النفس وأحياناً ببقايا كبرياء يستعصي معه أن يُسلم بأن تكوينه النفسي والفكري كان شائناً
جيل الناس اللي في النص - الراقصين على السلالم - يجب عليه أن يفيق !! ولا يظل بمكانه.. ولا أظنه بساع للهبوط !! لا سبيل إلا للصعود مع شباب يقود.. لا يهم من يقود المهم حقاً أن نجتمع على أن الأمر بحاجة إلى صحوة جماعية لا تقتصر على جيل ما
أن تصحو متاخراً خير من أن تظل في غفوة أبدية
