الظلم يُورِث الكُفر.. وقد ثَبُتَ بالدليل القاطع خلال يومين صحة هذه المقولة فقد قاد الظلم إلى الكُفر وأقدم خلال يومين ستة أشخاص على فعلة الإنتحار يأساً من عدل الدنيا معهم
هل هذا كُفر أم لا؟؟
لا أجد بي ميلاً الآن للذهاب وراء تفلسُف البعض وسعيهم وراء "حكم" المُنتحِر..لا شأن لي بذلك فحساب المُنتحِر عند ربه ولا يأس من رحمة الله
لكنه على الأقل برأيي كُفر بالحياة وكُفر بالعدل
يكذب من يقول أن الأمر موضة وتقليد أعمى لما حدث في تونس منذ أيام.. نعم لقد صار بوعزيزي الشاب التونسي المنتحر رمزاً لتجسُّد اليأس من العدل.. ورمزاً لما فعله بأمّته حيث أيقظهم من سبات فانطلقوا يُزيحون الطاغية رمز الظلم.. ولكن الأمر لدينا ليس تقليدا لمنتحر بل هو اكتشاف طريقة للخلاص واتّباعها.. انها يأس فاضح من كل شيء لكن من يرى ومن يسمع
يكذب من يقول أن أموراً فردية دفعت بهؤلاء إلى إضرام النار في أرواحهم التي كرّمها الله فدهسها الفساد.. فأمورنا الفردية هي نتاج تدني اجتماعي واقتصادي جمعي.. نتاج تدني عام يشمل كل شيء
يكذب من يقول أن جميع المُنتحرين مرضى نفسيين ومختلّين لم يتمكنوا من مواجهة شظف العيش كغيرهم وكأن الاستسلام للذل والقهر والفقر والمرض هو قمة الصحة النفسية
يكذب من يقول أن هؤلاء راغبي شهرة فراغب الشهرة راغب بالحياة وهو بإشعاله النار في نفسه يفقد الحياة بأبشع صورة
تضحكني ضحك باك هذه الأقوال فهي كمن يبحث عن ماله الضائع في شارع آخر مضيء
هي مثل "روشتة" من طبيب مبتديء لا يدرك الحالة ويعجز عن التشخيص ومن ثم العلاج
فيكتب قرصين اسبرين
يبعث على الضحك علاجهم الناجع بمنع بيع البنزين والجاز إلا بالبطاقة
يا إلهي هل وصلنا لهذا الحال !! أن نتقبل في صمت هذه الأقوال ونضحك
!!!
تأتي على بالي قولة مارتن لوثر كينج: المصيبة ليست في ظلم الأشرار بل في صمت الأخيار
إن المُصيبة أن نصمت.. ولكن كيف السبيل إلى كسر هذا الصمت؟؟
...
يكذب من يقول أن كل شيء على ما يرام
لا.. ليس هناك أي شيء على ما يرام
كل شيء صار سيء.. حتى البشر ذاتهم صاروا أسوأ.. كل امريء عانى من ظلم كان ضحية لغيره الذي عانى بدوره من ظلم آخر وهكذا حتى تكتمل الدائرة بظلم أكبر للجميع
وكثرة الظلم أفسدت الاخلاق وكادت تطال اليقين بعدل او أمل أو غد أصلح
..
قرأت لأحدهم يقول ان الثورات لا تتشابه.. نعم هي لا تتشابه.. وليس تشابه العَرَض- حرق البشر لأنفسهم- دلالة على وجوب نفس العلاج.. إنهم فقط انتبهوا إلى أن بإمكانهم إشعال النار !! بإمكانهم التعبير عن غضبهم وكبتهم وحنقهم ويأسهم.. ولكن لعل ثورتنا تكون بصورة أخرى.. لِمَ لا؟؟
نحن وصلنا للحال التي ينتفي معها أن يدعو الناس لثورة مماثلة.. فرغم صبر الجميع وصمتهم إلى الآن عبر حالة طواريء ممتدة منذ سنين يملؤني الرعب من زلزلة أمن مماثلة لما حدث في تونس-التي أدعو الله من قلبي أن تمر أيامها القادمة بخير.. سنوات طويلة من تراكم القهر خلقت أجيالاً مُختلفة ومَحَت قِيَماً كثيرة كانت لتقف حائط صد ضد الفوضى
لكنني لا أثق فيما يمكن أن يحدث عندما تعم الفوضى
لا أثق في وعي تم العبث به على مدار ثلاثين عاماً وتداولته كل الأطياف تدفعه كما تشاء وتُسطّحه كما تشاء
لا أثق في وجود أحد قادر على التأثير في الجموع.. واحد منهم وليس من نخبة ثبت عجزها على مدار السنين
لا أثق في أن يلتف أحد حول قيمه وأثق أن يلتف آلاف حول غنيمة
أرتعِد حين أتذكر جرائم الطبقة المُهمّشة خلال السنوات الماضية وأتخيل ما يمكن أن يحدث منهم عندما يتم توجيههم واتخاذهم وقود لاتجاهات مُختلفة أو عندما تُطلَق أيديهم فتمتد للإنتقام من كل شيء ومن كل أحد
كثرة الظلم تُورِث الكُفر.. وتُورِث العشوائية والغوغائية والانانية ومن ثَمَ الخراب
فليرُدني أحدُكم عن فكري هذا.. فأنا لست من المُحبِطِين ولا أريد أن أكون
ليردني أحدكم.. أتمنى أن يفعل