Monday, October 29, 2007

تقليب نور

كان علي أن أنتبه لتقليب النور من الاتجاه المعاكس.. وأن التزم سرعتى المحددة ..أسرع ببطء..وأتقهقر ببطء..كان علي أن أكون حذرة فى مجتمع يقلّب لك النور طوال سيرك لا يمكنك غير الانتباه.. والحذر، تم سحب رخصى فى لجنة فوقية علوية قراقوشية نصبت شراكها فى منعطف الحياة التاريخى ..حيث تم توريطى وتصويرى فى حالة تلبس بزيادة معنوية مقدارها مساحات من الكلام اللامعقول واللامستحب .. وتمت إدانتى بتهمة التفكير..وذلك رغم قيام ذلك القابع خلف التلة بإظهار ياقة قميصه حتى أتعرف على راداره الخفى وأستعمل لجاماً وهمياً لأتوقف على جانب الطريق .. وأدفع المعلوم..وأتحاشى فقد لسانى ورغم اعتيادى دفع الرشوة واعتيادى إحساس الذنب للعنة الراشى التى تحاصرنى..إلا أن للسرعة المبهجة بريق..وللبوح المطلق بريق..ووقع المحظور وتم قطع لسانى فى حفلة صاخبة التزمت فيها الصمت رغم نزيف الدم ..و أصبحت منذ ذلك الحين منزوعة السلاح..منزوعة اللسان وبعد.. تركت كل شىء.. واستكملت سيراً أعمى أدرك اتجاهه ولا أدرك هدفه.. ورغم انى لا أقود سوى حذائى إلا ان تقليب النور من الاتجاه المعاكس ما زال مستمراً ..إنه اشارة من رفيق طريق يرى ذلك المختفى براداره ..ويدرك مقام الشرك فى آخر طريقى.. يريد أن يقول :يا أسيرة الترحال .. لم يعد معك رخصة لتسحب..ولم يعد معك مال للمرتشى ..ولم يعد معك سلاح تلوحين به..ولم يعد معك حتى ذاك المركوب الذى تقطعين به الطريق..لهذا لم يعد يتوجب عليك الانتباه التصقى بحائط.. وسيرى كالمنوّمين.. إنه طريق ستقطعينه وحسب
*
*
*

Wednesday, October 10, 2007

العيد.. كحكـــة




كل عام وانتم بخير

وعيد سعيد لجميع المسلمين فى كل مكان


هذا العيد يرتبط فى الأذهان بأشياء كثيرة أولها وأهمها:ـ
كحك العيد.. اللعنة البيضاء التى تجعلنى كل عام وفى مثل هذا الموعد أزيد حوالى تلاتة أربعة كيلوجرام من غير مناسبة..وأظل شهوراً طويلة أعانى الحرمان لأعود لحجمى الطبيعى..غير أنى أفكر هذا العام فى سحق حبوب السكر الدايت ورشها على الكحك ..بعد تفريغه من سكره العادى..ولكنى لا أعرف طريقة لاستخلاص السمن بعد
الكحك فى حياتى مثل أى شىء.. يرتبط بأماكن وأشياء وبشر وعادات .. وقد أكون مبالغة فى تقييمى لأهمية الكحك فى حياتى لكنى لا أراها مبالغة بقدر ما هو ارتباط يرغمنى عن الحديث عن ذكرياتى مع الكحك..حقبة حقبة
:)
الحقبة الزمنية من صفر وحتى 12 عاماً من عمرى
فى بدايات معرفتى باللعنة البيضاء أذكر تلك الكراتين الممتلئة بالكحك والمنين(وفى قول آخر الفتوت وفى قول آخر القراقيش وفى قول تانى خالص القُرَص)وهى تأتى لنا مع أحد أخوالى من البلد مهداة إلى أمى من سيدات العائلة ساكنات الريف.. بينما تقوم أمى وخالتى رحمهما الله بصنع تلك الأصناف التى لا يعرفها أهل الريف من بتى فور وغريبة وكل أنواع البسكويت (قرفة ونشادر وبرتقال وعجوة وعسل ) والشكلمة واللانكشير(!!) وأقوم انا بمجرد اللعب بقطعة عجين صغيرة حتى تصبح فى لون سواد الأرض أثناء قيامهما بإعداد العجين حتى تلهيانى عنهما ..وعندما ازداد طولى قليلاً.. كانت أمى وخالتى تتركانى أقوم بلصق وحدات البتى فور معاً بعد نضجها بالمربى وغمسها فى الشيكولاته السائلة ثم رشها بالفستق المجروش وجوز الهند-نصيحة للصائمين بالتوقف عن القراءة

الحقبة الزمنية من 12 وحتى 16 عاماً من عمرى
حينما توفت "أمى الاولى" ساد الحزن الجميل المرتبط بالامتناع عن صنع الكحك فى بيتنا .. وبدأت خالتى"أمى الثانية" بعد سنوات قليلة فى "شراء" الكحك وهو ما كان يعد "عيبة كبيرة" فى حق سيدة أى بيت فى وقت من الاوقات البعيدة..لكنها كانت مختلفة قليلاً ..استجابت للعرف الذى يمنعها من "العجن" ولكنها كانت تصر على شراؤه لنا حتى نشعر بالعيد مثل كل الناس.. وكان أشهر من يصنّع الكحك هو شركة بسكو مصر وكانت على ما أظن شركة قطاع عام وقد تم مؤخراً خصخصتها على مراحل ..فقد كان الكحك متخشباً ويأتى لنا فى علب كرتونية قبيحة المظهر.. وانتبهنا بعد ذلك أنه لا داعى للتعذيب فبدأنا التعامل مع محلات الحلويات الكبرى فى بداياتها ..وكنا لا نقدم منه لزوارنا عادة لأنه كما قلت "عيبة كبيرة" ان نقدم شيئاً ليس صناعة منزلية بحتة..هذا بالإضافة للاعتقاد السائد وقتذاك بأن هذه العجائن كلها تُصنع بسمن "هولندى" .. وهولندى بالذات تعود لمعرفتنا المحدودة ان هولندا هى البلد الوحيد المصنع للسمن.. وهو الاعتقاد الذى أتفهمه الآن بعد خبراتى المطبخية العديدة..فقد كان السمن أحد نوعين :الأول زبد بلدى تأتى لنا به كل شهر الست "أم فوزى" من البلد وتقوم بتسييحه لنصل إلى منتج السمن البلدى الأصلى ومنتج آخر اسمه "المُرتة" وهو خلاصة الخلاصة ..حاجة كدة كفيلة بالقضاء على أتخن فيل بانسداد الشرايين..والنوع الثانى هو السمن الهولندى.. وهو أى سمن معبأ فى علب أياً كانت جودته وأياً كانت بلد منشؤه وأياً كان نوع البقرة التى أتى منها.. وغالباً ما تكون البقرة مرسومة على علب السمن وتكون هزيلة نحيفة ..على غير حالة أبقارنا البلدى الشامخة..مما ساهم فى كراهية ستات زمان لهذا النوع من السمن..و ظلت تلك العادات قائمة بشدة..شراء الكحك أمر ليس مصدر افتخار..وشراء السمن المعلب أيضاً مجال نقورة كل سيدات العائلة لو علمن أن واحدة منهن تفعله

الحقبة الزمنية من 16 وحتى 25 عاماً من عمرى
عندما ازددت طولاً وعقلاً بدأت مع أمى فى إعادة التراث مرة أخرى وذلك بعد توقف المدد من البلد منذ زمن بعيد.. وبدأت أقوم أنا وهى بإعداد كل تلك الاصناف السابق ذكرها وكان ذلك فيه متعة لا حد لها تتساوى مع المجهود الرهيب الذى كنا نقوم به وكان يجعلنى عادة أقضى اول أيام العيد مغمن عليا ..وكنت أتخذ كل عام قرار بإجبار أمى على الشراء فى العام التالى ..ولكنى أعود وأعدل عن رأيى عندما تقول لى : لما أموت ابقى اشترى..وكانت أمى تلتزم بطريقتها المعتادة ومقاديرها المحفوظة والتى لا تحيد عنها.. بينما انا أحاول على جنب اثبات ذاتى وإعداد اجندتى الخاصة التى ستصحبنى لبيتى فى مستقبل الأيام.. فكنت أسلّم أذنى لبرامج المرأة واجرب كيلو كحك على الطريقة الشنغاهاهية مثلاً .. ولكنى أصاب بصدمة للنتيجة المزرية فأعود مرغمة عن غيى..وكان من ضمن العادات التى نقوم بها إعداد تلك العلب التى تحوى تشكيلة مما صنعناه ليتم توزيعها على كل بيوت العائلة وعادة ما كنت أذهب فى جولات رمضانية ليلية محملة بالعلب مع أخى لنطوف عليهم بينما تظل أمى فى البيت لتستقبل بنات أقاربنا وهن يقمن بنفس الفعل.. وذلك لهدفين: هدف أول معلن وهو التراحم والتقارب والعيش والملح والسكر البودرة ..وهدف آخر خفى هو المقارنة المميتة التى كانت تتم لتقييم مجهود كل سيدة.. وكلام من نوعية كحك فلانة انعم من كحك علانة وكحك ترتانة لو يخبط فى الحيط يرد تانى و دى نَفَسها منيل ودى قدحتها للسمن مش تمام وكدة هيزنّخ..وهكذا وهكذا

الحقبة الزمنية من 25 وحتى يومنا هذا
فوجئت عند اقتراب موعد زواجى بأمى تعد العدة لصنع القناطير المُقنطرة من الكحك.. ليه يا أمى ؟ دى عادات يا بنتى ..إزاى تدخلى بيتك من غير كحك..دة حتى يبقى فال وحش.. وظللنا نعد فى الكحك والمنين أياماً وأياماً.. لمجرد..أن يكون فى استقبال زوارى وانا عروس طبق كحك لا يتناول أحد منه شيئاً فى العادة..لأنه بعد العيد ما يتفتلش كحك..هكذا يقول المثل ..ولكنى لا اأدرى المعنى الحرفى لكلمة ما يتفتلش رغم أن معناها الواضح ما يتعملش .. وما أذكره جيداً ..أن كحك زواجى ظل على حاله لفترة طويلة جداً فى مطبخى وعانيت عذاب الضمير وأنا أرميه فى نهاية الأمر..وأخفيت الأمر عن أمى حتى لا تصاب بصدمة
وبدأت رحلتى فى بيت الزوجية ..ومرت الأعوام الاولى وأنا أحيا مع أمى طقوس صنع الكحك وتوابعه كل عام ..حتى ترى ابنتى نفس الطقوس.. وتلعب بقطعة العجين حتى تصبح فى لون سواد الأرض.. ومع مرور الزمن أقتنعت أمى أخيراً وسلّمت بقرارى الذى اتخذته وكان نهائياً وطلبت منها فيه أن نكف تماماً عن هذا العذاب.. وخاصة أن هناك فى الأسواق أصنافاً لا حصر لها بجودة عالية.. وبدأت تقتنع قليلاً ولكنها كانت تصر على صنع القراقيش التى لا يمكن شراؤها-على حد قولها- من أى مكان
ومنذ ثلاثة أعوام ..أحسست أن أمى بحاجة للعيش فى تلك الطقوس مرة أخرى.. واشتريت الدقيق وكل لوازم السقوط فى بئر العذاب وظللت أنا وأولادى نعيث فساداً فى بيت أمى طوال نهارات رمضان الأخيرة حتى انتهينا من صنع الكحك وسط فرحتها الطاغية ودعواتها لنا جميعاً ..حيث اكتفت بالدعاء لمرضها الشديد
ومنذ عامين.. أى بعد وفاتها مباشرة.. أصررت على شراء الكحك فى عيد الفطر لأولادى.... حتى يشعروا بفرحة العيد رغم انهم لا يأكلونه أصلاً .. ولكن فقط ليرونه يزين المائدة .. بينما أنا من تظل تعانى من مجرد العبور أمام تلك المائدة ومقاومة اللعنة البيضاء

ويبقى الكحك
:)
شاهداً على عادات لا يمكن محوها تماماً.. لكنها فى النهاية تتحور بما يناسب الناس
فهو أمر لا يمكن الاستغناء عنه ..أشتريه لأتعذب به ..وربما تبرعت به لمحتاج فى نهاية الأمر لكنى أدرك أنى لن أكف عن شراؤه وتوابعه أبداً
ولم تعد السيدات يتفاخرن فقط بصنع أيديهن.. بل باسم المحل الذى اشترين منه..لأن المقياس بين السيدات لم يعد فقط الشطارة والقدرة على القيام بمجهود رهيب.. بل أصبح شراء أحسن شىء بأوفر ثمن مع القيام بأقل مجهود
ولم يعد شراء الزبد وتحويله لسمن محل فخر..بل سخرية كما ظهر فى إحدى الإعلانات .. وأصبح الطهى بمختلف أنواع السمن أصلاً من مظاهر التخلف عند بعض الناس المؤمنين بزيت الزيتون وبأن السمن سبب كل الجلطات والذبحات والانسدادات وذلك كما تفيد أغلب النشرات
وبما أن.. إذن.. لن تذهب تلك العلب من كل بيت إلى بيوت الأهل والمعارف فكل عائلة ستكتفى بما ستشتريه.. ولن يكون هناك تشارُك وتقاسُم..وأيضاً لن يكون هناك تلك المقارنات المميتة ..والمثيرة للضغائن فى نفوس السيدات

***********
هذا العام.. اشتريت الكحك وتوابعه..ولم أتمكن من تذوقه حتى الآن.. تمنعنى ابنتى كما منعت عنى المكسرات من قبل
تقول لى : لو تخنتى مش هافسحك..مش هتعرفى تجرى ورايا علشان تعاقبينى.. هاغيظك بإنى أرفع منك .. وكمان لأنى بافضّل الأم الرشيقة

:)

Monday, October 08, 2007

علامة تعجب

منذ أعوام بعيدة توفى عمى الأكبر الذى كان يسكن وحيداً بعد وفاة زوجته و زواج أولاده ..توفى جالساً..واضعاً ساقاً فوق ساق..وممسكاً بجريدة الصباح ..أمامه فنجان قهوة لم يُمس.. وبايب مُلقى على الأرض الرخامية انطفأ بعد حين والحمد لله..وظل على حاله يوماً كاملاً حتى انتاب القلق ابنته لعدم رده على اتصالاتها فذهبت للاطمئنان عليه.. وتجرعت وحدها الصدمة الأولى.. هزنى وقتها الحدث ..ليست الوفاة فى حد ذاتها فلكل أجل كتاب ولكنها الملابسات التى ظلت عالقة بذهنى لوقت طويل.. ولم أستطع منع نفسى من التساؤل: ماذا لو ؟ ماذا لو لم تقلق ابنته عليه ونسيته فى غمرة انشغالها بحياتها ليومين أو أكثر؟ ماذا لو كانت ابنته مسافرة مثلاً؟
بعدها بسنوات قرأت فى بريد الأهرام تعليقاً على خبر من صفحة الحوادث..عن تلك السيدة التى عثروا على بقاياها فى شقتها بعد وفاتها بثلاث سنوات كاملة ..السيدة كانت تمتلك مكتب محاماة وتحيا وحيدة بدون زواج..وتوفيت على فراشها ..ومرت الأيام والشهور والسنين .."ولم ينتبه لغيابها أحد..لم يفتقدها مساعديها فى المكتب ولا موكليها ولا جيرانها ولا أصدقائها ولا شقيقها الوحيد الذى يحيا معها فى نفس البلد..لم يحاول أحد أن يبحث عنها أو يجاملها فى مناسبة..لم تهتز لغيابها ورقة شجر ولم ترتجف له دودة فى حجر" هكذا كان التعليق الذى آلمنى كثيراً ..لم أتألم للوفاة فلكل أجل كتاب ولكنها الملابسات التى جعلتنى أفكر ..كيف هم الناس..وكيف يدورون فى رحى مطحنة الحياة كل متكالب على نفسه وعلى دائرته الصغيرة لا يحيد عنها
ومنذ أيام..سمعت هذا الخبر..شاب يسقط مغشياً عليه فى أحد الشوارع بمدينة الأقصر ويظل على حاله ثلاثة أيام كاملة .. يمر عليه المارة فلا يتسائلون وكأن مرأى أحدهم مُلقى فى الشارع أمراً طبيعياً .. وكأن هؤلاء الراقدين على الأرصفة أمراً عادياً لا يسترعى انتباه.. والمحزن والمبكى فى الأمر أن النمل هو من أنقذه عندما بدأ يتجمع حوله فى جحافل كثيرة ويتخذ من جسده كهوفاً تأويه..ولعل هذا هو ما جعل أحد المارة"أخيراً" يقترب ليفحصه ويدرك أنه على قيد الحياة وبنقله للمستشفى تبين اصابته بجلطة فى المخ أدت إلى سقوطه
هذه المرة كان اندهاشى ضئيلاً ..فقد أصبح المعتاد أن نقرأ أو نسمع الغير معتاد..فقط أجد نفسى أتوقف عند السلوكيات التى لا أدرى أهى تتغير أم هى من الأصل كذلك ونحن من نروج لأنفسنا ما ليس فينا..ونصدقه.. هل نحن"كنا"كذلك و"أصبحنا" غير ذلك نتيجة لضغوط الحياة وتغيراتها..لا أدرى حقاً.. أظننى فى حاجة لمراجعة كتاب جمال حمدان عن شخصية مصر..لأعرف الوصف الصحيح والسمات الأصلية للكائن المصرى

Tuesday, October 02, 2007

فيلم قديم..تسالى صيام


فى ساعة عصارى ..شاهدت الفيلم الخالد: الستات ما يعرفوش يكدبوا
وكانت هذه هى النتيجة مُضافاً إليها تأثيرات الصيام:ـ

احلف لك بإيه انا عمرى ما غنيت
وتكدبنى ليه
كدب عنيا ياريت
دا انا حتى الكدب ماحبوشى
يبقى على لسانى وما قولوشى
أصل يا حضرات فى المثل قالوا الستات
ما يعرفوش يكدبوا

هذه الأغنية التى لحنها منير مراد لشادية فى فيلم الستات ما يعرفوش يكدبوا من أجمل ما سمعت لها موسيقياً .. وربما كان السبب فى تذوقى الزائد لهذه الأغنية هو تحليل عمار الشريعى لها سارداً قدرتها الفائقة على التنقل بسهولة وخفة بين المقامات المختلفة

ويقول القائل الخبيث المتخابث أن المثل المذكور فى الغنيوة صناعة نسائية بحتة.. وأن النساء يعشقن الكذب لغاية الكذب..لغاية الخداع..يتشدقون به كاللبان الذى يلوكونه طول اليوم .. ويؤكد على ذلك كبار الكُتَّاب أعداء المرأة
وهو ظلم بين وافتراء واضح.. وهذه الدراسة للباحثة الفرنسية كلودين بيلان وإن كانت تتهم المرأة بأنها أكثر كذباً لأنها تعشق التجمل ..فهناك رأى الأطباء النفسيين الذين يرون فى الكذب عادة يتساوى فيها الطرفان
أرى الكذب عنواناً للضعف الإنسانى.. وعدم مقدرة على المواجهة .. وشعور بالتداعى والرغبة فى الخلاص..أراه داء يستوطن كالإدمان..علاجه يستدعى حزماً وقوة لا قبل لكثيرين بها..وهو ليس مقصوراً على النساء.. لأنه عاهة إنسانية تنال من الإنسان بغض النظر عن نوعه
ألم يكن البطل كاذباً فى قصة الرائع إحسان عبد القدوس :أنا لا أكذب ولكنى أتجمل؟
فهل الكذب حقاً تجمُل؟
إنه تزييف للحقيقة ..قد يكون جميلاً للحظة .. لكن عندما تمر اللحظة يترك طعماً كالمرارة فى لسان قائله..وليس انتصاراً كما قد يظن البعض

كمولة
هذا ما تنادى به شادية زوجها الذى يقرر الهرب منها لكذبها الدائم والغير مبرر
وندائها له عندما يقرر السفر
راح
فاتنى وراح
الدلوعة شادية..كم أحبها.. وهى تحاول مداواة الكذبة الصغيرة بأخرى أكبر .. وتتضخم كرة الكذب حتى تكاد تقضى عليها.. فما معنى أن تستدعيه لتقول له صرت أباً ..وتحاول إيجاد طفل بأى صورة ..تفكيرها اقتصر على الكذبة ..بلا أمل فى استمرارها ..ولا تفكير فى مداواتها والإقلاع عنها..إنه نوع نادر من الكذب..كذب منتهى قبل بدايته.. محكوم عليه بالفشل لكن الكاذبة الجميلة لا تدرك ذلك.. لا تدرك غير غايتها ..أن تعيد زوجاً هاجراً لها
فهل نُبل الغاية يبرر الوسيلة ؟
لا مبرر للكذب إلا فى ثلاث كما روى عن رسولنا الكريم : الصلح بين المتخاصمين..وفى أثناء الحرب.. وكذب الرجل على إمرأته ليرضيها

والكذب فى حقيقته أنواع..وأكثر من يمارسه دون أن يفطن لخطورته الأطفال.. حيث يخلو الذهن من فظاعة جرم الكذب.. وهو يكون إما كذباً خيالياً ..أو دفاع عن النفس..أو اجتماعياً..أو للمبالغة..أو أنه كذب انتقامى..أو مرضى

وأعود للفيلم..الدرس الحى والكوميدى فى ذات الوقت على خطورة الكذب ..والذى أعتبره من أجمل أفلام الأبيض والأسود على الإطلاق من ناحية حواره على الأقل.. و الذى ربما أحفظه تقريباً لخفة ظله المتناهية..و أتذكرتلك البرقية الكاذبة أيضاً
التى أرسلتها بطلة الفيلم لزوجها ليعود من سفره وهروبه منها

عد سائراً أو طائراً أو عائماً.. أصبحت أباً لمفعوص جميل
إنه الكذب المزركش الذى يدفع بسامعه إلى التصديق الفورى.. والوقوع فى الفخ

إنه الكذب الذى أخذت وتيرته فى التصاعد حتى وصل فى مشهد النهاية إلى مأساة..تم حلها كعادة الأفلام العربية بجملة واحدة تتصارح فيها البطلة مع البطل لينتهى الفيلم بعناق وقبلة

الفيلم القديم ..الذى رأيته للمرة المائة تقريباً.. تعد كل جملة حوارية فيه متعة قائمة بذاتها..و تغلب حواره الرائع على فقره الإنتاجى حيث دارت أحداثه كلها تقريباً فى فيللا البطل.. وحيث أغرق مشاهديه فى متعة الضحك بدون ابتذال

وكان نوح..اسماعيل ياسين ..بطلاً موازياً لشكرى سرحان الزوج.. يعانى من تسلط الانثى عليه.. منصاعاً فى مسكنة وذلة للبطلة التى تهدده بمسألة مرافقتها للسينما
نوح يقول للبطلة بعد تهديده :ـ
آه يا جنس نمرود ما يتمرش فيه
ويقول لزوجته التى تطالبه بإحضار مولود بعد آخر لتستمر خدعة الأب:ـ
انتو فاكرين العيال دول إيه..سارحين بيهم بمشنة فى الشارع؟
وأجمل ما فى الفيلم الفاصل الكوميدى الذى أداه مع الممثلة العجوز التى لا أعرف اسمها والتى سرق حفيدها لتقول له جملتها التقليدية:ـ
آه يا كليفتى يا خرامى..فين الخريستو بتاع الأنا

أجمل ما فى الفيلم هذه الجملة.. فين الخريستو بتاع الأنا؟

Monday, October 01, 2007

إنه ينادينى

photo copyrights to: Camilo Margelí


حوار من طرف واحد..إنه ينادينى.. رغم برودة الجو الآخذة فى الازدياد


*******************************************


هيا إلى .. تعالى يا فتاتى الجميلة .. كم إنتظرتك طويلاًً طويلاً .. وكم أرقنى الإنتظار..لكنى كنت أعرف انك ستأتين يوماً ما .. وتلاقينى فى هذه البقعة البعيدة .. كنت موقناً انى سأكون ملاذك ومهربك .. ما اجملك .. وأنت تتهادين أمامى بثوبك المزركش بألوان قوس قزح..وخصلات شعرك الحالكة السواد .. مستسلمة لعبث الرياح وأنفاسها المعربدة ..ما اجملك

دعينى يا فاتنتى أتأمل قسماتك الحزينة ..وأشعر بهذا الألم المعقوص فى صدرك ..دعينى أرى ظلم الآخرين منقوش على جبينك الطيب ..وألمح اليأس يتسرب من عينيك زخات دمع ..ويولد غيره بمقلتيك فى اللحظة ذاتها ..دعينى أحس بدماء الوحدة تثور بشرايينك وتكسب وجنتيك هذه الحمرة الساحرة ..دعينى أسمع زفراتك ..آهاتك ..أناتك التى واريتها دوماً و دفنتها فى قمقم الإستسلام .. والآن يخرج المارد ويحملك إلى

لا يا جميلتى..لا تظنى أنى أحب ألمك..وأتغزل بحزنك..وأطرب ليأسك..لكنى لا أخفيك أنى أدين لهم جميعاً بفضل وجودك هنا أمامى .. سائرة بحذر هرة مذعورة ..ترسم أقدامك العارية على رمال الشاطىء بصمة إعترافك الجميل بأنك آتية ..وتحكى ذراعاك المتخاذلتان عن قبولك بى أخيراً..وتفك خطواتك المتتالية طلسم إنتظارى الأبدى لك

تعالى إلى يا فاتنتى .. أرمقينى بهذه النظرة الساحرة التى طالما جئتنى بها قبلاً .. أتذكرين ؟؟ ..لقد عاشت عيناك على صفحتى .. تدمع.. وتبكى .. وتحكى دونما كلمات وكنت أسمع بلا آذان .. كنت أعيشك .. وأشتاقك وأتلهفك .. لكنك كنت تقاومين ..وتعاودين الرحيل وكأننى أنبت شجيرات الأمل الصغيرة بداخلك..كنت ترحلين ..وتتركين بعضى يصارع بعضى ..وامتد زاحفاً وراءك .. عابثاً بكل قوانين الطبيعة حتى ألامس أطراف قدميك المبتعدتين .. كم عذبتنى أيتها الجميلة

والآن أتيت .. نخبة من باقات اليأس تسكن قلبك ..وعطر قديم يعطر ثوبك الزاهى .. يا إلهى ..هل أطمع أن تأتينى فرحة متعطرة ..كم حلمت بذلك .. ولكن ليذهب حلمى كله إلى أعماق الجحيم ..يكفى أنك أتيت لتلقى بنفسك فى أحضانى ..تصارعيننى .. وأهدهدك ..تقاوميننى ..وأحنو عليك تستغيثين بعابر سبيل من بنى جنسك فلا يسمعك سوى موجى الهادر ..وفى النهاية تستسلمين ..وتذهبين فى أعماقى السوداء ..وترقدين كالملاك على أرضى وسط فراش موشى بالطحالب الراقصة ..هيا يا جميلتى..هيا..لا تحجمى .. دعى اليأس يتمكن منك ..إقتربى .. إقتربى
**************
رمضان والصيف والحياة معاً.. جرعة ثقيلة على أعصابى