لا أعرف لماذا أصبحت جلود الناس واضحة المعالم وكأنني أراها تحت مجهر!
جلودهم أمام عيني بارزة كأنهم لا شيء غير طبقات جلد!
أنظر للجميع فأجد عيني تقع على مساحة الجلد فقط وتبدو لي تفاصيلها شديدة
الوضوح.. تعرجات وخطوط متقاطعة بشدة وفسافيس دقيقة ونمش متناثر وشعيرات ناتئة.. كل
التفاصيل تكاد تعمي بصري فاضطر للبربشة لأبتعد عنها.. لا جلد أملس كما يبدو لك من
نظرة عادية فكل الجلود في حقيقتها تحمل كل ما سبق ولكنك كمحظوظ لا تراه.. ولهذا
بدأت رغماً عني أصنف الناس: هذا جلده يدل على تقدم في العمر، وهذا جلده ذو رائحة
لا تحتمل، وذاك يتعرق كثيراً فلأبتعد قدر الإمكان.. وتلك تُحمّل جلدها بطبقات
المساحيق فتبدو غائرة بين المسام..تؤذيني بصرياً!
إنك تصنّف رغماً عنك ولا إرادياً وطوال الوقت وربما أنك ترى فيمن حولك
أمراً آخر يستدعي تصنيفك، وربما أنك تصنفهم فكرياً.. لا تنزعج.. أنا لا اتهمك بأنك
تميز بين الناس وتمارس فرزاً عنصرياً فهذا هو التابوه المُخيف الذي يمكننا دائماً
استعماله لنسكت من أمامنا فيرتعب.. وتجري على لسانه عبارات من نوع: أنا أتقبل
الآخر.. لي عقل متفتح يستوعب الاختلاف..
لا تجزع.. فأنا أفعلها.. أصنف الآخر لأستطيع التعامل معه.. أصنف الآخر
وأضعه في مكانه الصحيح في العالم وفي نفسي لأتمكن من التعامل معه.. وأؤكد لنفسي
بعد ذلك أن لا تعامل ممكن أو أنني سيمكنني التعامل بحذر.. أو اطمئنان.. يمكنني أن
أعرف نقاط الخلاف والإتفاق وأظل على تقبلي محافظة على عقلي المتفتح..مثلك تماماً.
لقد صنّف الإمام الغزالي الناس لثلاث : عوام وخواص وأهل جدل.. وشرح في كتبه
صفات كل فصيل ولكن أحداً لم يتهم الشيخ بالتمييز فتصنيفه الفكري للناس هو إرساء
لما خلقنا الله علي وما رفعنا به فوق بعض درجات في العلم أو الرزق أو العمل.. ولعل
الخواص الآن وهم الفئة الأكثر قدرة على الفهم والتقدير هم الأكثر انجذاباً للجدل!
فما الضير إن عرفت هذا فيمن حولك ووضعته في إطاره المناسب؟ ما الضير أن تتجنب
المُجادل وتقصيه حتى لا يستنزف وقتك
وتفكيرك ويرهق قناعاتك؟ أو حتى أن تفسح له مكاناً في محيطك بعد أن
"عرفته" وتجادله إن كان هذا يروقك؟ ما الضير؟ لا أدري حقاً!
إننا نكبل أنفسنا بتلك التابوهات وماأظنها بصحيحة.. إنها فقط وسيلة اتهام
جديدة: أنت إقصائي تمييزي عنصري طائفي.. إلخ.. ولا أعدها حقاً إلا وسائل البعض
لإنهاء حوار لا يروقهم!!