ضمتنى منذ أيام ورشة عمل صغيرة بطريق الخطأ، فعملى عادة لا يتبع هذه الأساليب المستحدثة ولكنى وجدت اسمى ضمن مجموعة من قيادات العمل وقد حل محل اسم زميل أصابته وعكة مفاجئة، لفت انتباهى وأسعدنى أنى الأصغر سناً فقد كانت المجموعة كلها من ذوى الشعر الأبيض جداً والسيدات مديرات مرموقات جداً جداً ولكن شعورى بالسعادة ما لبث أن تبدد بعد أن تبين لى أن ورشة العمل اسمها" كيف تدفع مرءوسيك للتغيير" ـ ـ
وباعتبارها ورشة عمل فقد كان النقاش سجالاً بيننا وبين المحاضر الذى أخذ يستحث المديرين لعرض مشاكلهم مع مرءوسيهم وفكرت بأنى فى حقيقة الأمر ليس لى مرءوسين فعليين ولكنى أُشرف فقط على عمل من هم أصغر منى، لذا عندما حان دورى فى طرح مشكلتى أوضحت أنى رئيس لمهندس وكيميائى وفنى فقط لا غير " هذا كل ما أملكه من حطام العمل " وانى فقط أمرر لهم ما يمرره لى رئيسى وليس لى سلطة فعلية عليهم، قلت كلماتى فنظروا لى جميعاً ولسان حالهم يسأل: وماذا أتى بك إذن؟ ولم أدعهم طويلاً فقد أكملت أن النظام الغير سليم فعلياً هو من أتى بى إلى هنا وربما كان هذا على خطئه له فائدة
ظهرت لى هذه الفائدة جلية فى الاستقصاء الذى مرره لنا المحاضر لنقيس قدرتنا الشخصية على تقبل التغيير وحزت فيه على " درجة عالية" تشير إلى اننى للأسف أقبل التغيير بصعوبة وأميل إلى مقاومته، أحست بخيبة أمل فقد كان ظنى بنفسى أنى ثورية النزعة، وكانت الفائدة الأولى هى تحقق قاعدة اعرف نفسك، وتوالت الفوائد تباعاً -فى نظرى- فقد كان الأمر شيقاً وان شابه الكثير من التذمر من المحاضر نظراً لأن النقاش كان يصل أحياناً لطريق مسدود بينه وبين ذوى الشعر الأبيض وكانوا فى أغلب الوقت يفهمون ايضاحاته فهما معاكسا تماما ، ورغم انه كان فى نفس أعمارهم تقريباً إلا أنهكان يتميز بمرونة كبيرة فى فكره ونظرة بعيدة للأمور
وجدتنى أتسائل بعد حين وحينما طلب منهم صراحة أن يتحدثوا بحرية أكثر وأن يحاولوا تحطيم التابوهات المحظورة التى صنعنها فيهم سنين الخبرة المتراكمة، وجدتنى أتسائل عما يفعله الانسان بنفسه على مدار عمره من قولبة لفكره وايمانه المطلق بصحة أفكاره وعدم استعداده لمناقشتها أو المساس بها، وأحسست أن هذا حال معظم المديرين ومن على شاكلتهم من آباء وذوى سلطة أياً كانت، وشعرت بالخوف مما سيؤول اليه حالى بعد قليل" جدا" عندما تغزو الشعيرات البيضاء رأسى فأؤمن برأيى وموقفى وأكفر بأى رأى للآخرين
فى فترة الراحة لمحنى المحاضر أتناول الشاى وحدى- طبعاً عيب أن اجلس وسط الكبار- فتبادل معى حديثاً قصيرا المح فيه انى لا يجب أن أحزن على نتيجة الاستقصاء، وحكى كيف انه وجد بنفسه خللاً ما قبل سنوات فقام بتدريبات ليتخلص من هذا العيب وقد كان بالمناسبة عدم القدرة على التحليل، وجدت فى حديثه أملاً فى " تغيرى المبدئى" وواصلت حضور الجلسات وقد كنت نويت العودة لعملى فى قرارة نفسى ، وبدأت اسمع جديداً يبهرنى كل يوم ، لكن هذا الجديد كان مثار سخط من حولى فقد كانوا أشد تصلباً فى السماح لأى فكرة جديدة للنفاذ داخل أفكارهم ، رافضين للتغيير متحججين بالمخاطر وفقدان القدرة على المنافسة والاحتفاظ بالثبات " مع مراعاة ان ترجمة هذه الاصطلاحات غريب على قليلاً" وجعلنى هذا أتسائل مجدداً عن جدوى التصاق كل كبير بسلطته ومحاولته فى أحيان كثيرة مد فترة خدمته ليقتل من بعده أجيالاً متتالية قادرة على خلق " حالة" مختلفة فى العمل وبعث الروح فيه
ربما كنت وحدى من استمتع بهذه الورشة الموجهة أصلاً لمن هم أكبر وأعلم، وحينما سئلت فى نهاية الأمر عن مدى استفادتى منها لم أجد حرجاً فى لوم النظام على إرسالى إليها وشكره فى الوقت نفسه وعن سعادتى بالاشتراك فى مناقشات مثمرة كالتى مررت بها ولم أنس أن أذكر ان الفائدة الكبرى هى أنى تعلمت كيف اكتشف أخطاء رئيسى وكيف انتقده، وكيف أرى عيوبه وأحس بمشاكله ، وربما ساعدنى ذلك على إيجاد طريقة أفضل للتعامل معه
شعرت أن الجمل الأخيرة أثارت استيائهم ، حتى أن أحدهم أشار بابتسامة صفراء أن مديرى صديقه، لكننى لم أهتم، فالتغيير أخذ طريقه إلى عقلى وحطمت تابوه الخوف من الــرئيس ومن مجرد سماعه لرأى لا يعجبه ولا يريده ،وعليهم أن يتحملوا نتيجة خطأ النظام الذى لم يغيروه والذى سمح لأمثالى من المفاعيص حضور مثل هذه الجلسات، شكراً مستر يحيى