Friday, February 13, 2009

لير .. لير

photo copy rights to : moheet


لا يمكنك أن تحرض علي الحكمة لأن لحظة الطيش .. لحظة .. وبهذه اللحظة بدأت أولي مشاهد مسرحية الملك لير .. حيث تملكته لحظة الطيش وجعلته يقرر التنازل عن ملكه ويكتفي بمظاهر السلطان .. ولا يعد طبعا التنازل عن السلطة طيشا إلا لو كان لمن لا يستحق .. وهو لهذه اللحظة لم يكن يدري من يستحق ومن لا يستحق
كان مقياس الإختيار غريبا .. لقد طالب بناته الثلاث بالتعبير عن حبهم له فأسهبت اثنتان في تنميق الكلمات ونالت كلتاهما ثلثي مملكته .. بينما فشلت الثالثة في قول ما يود سماعه .. قالت كورديليا ما أملته طبيعتها الكتومة .. قالت ما أملاه عليها قلبها وعقلها دون تملق أو نفاق .. فطردت من رحمته
علا صراخ يحيي الفخراني في تلك اللحظة التي فارقته فيها الحكمة فتهيأ له أن صغري بناته وأقربهن لقلبه لا تحبه .. كان ملكا جريحا .. يزأر كأسد نال منه نصل صياد
وتبدأ النهاية عندما ترحل كورديليا مع زوجها ملك فرنسا الذي قدر تعففها عن تملق أبيها .. وعندما قسم نصيبها بين شقيقتيها .. اللتان سرعان ما بدأتا في نبذه وتجريده من مظاهر السلطان
وكما هي كل أعمال شكسبير .. تمثل مشكلة الإنسان مع نفسه قمة المأساة .. حيث توسم الملك الصدق فيما يسمع .. وتهيأ له أنه منزه عن الخطأ.. وتتتابع فصول المأساة كما سطرها مبدعها وزادها الممثلين المخضرمين إبداعا .. بدءا من مضحك الملك القصير عهدي صادق الذي تدفقت الحكمة من بين كلماته التي أظنها كلمات شاعر العامية المبدع أحمد فؤاد نجم .. و'كنت' مدحت مرسي .. طبيبه الذي واجهه بحماقته فكان مصيره النفي ولكنه عاد متخفيا ليظل بصحبة سيده .. وأشرف عبد الغفور أحد رجال البلاط الذي كان مشهد فقأ عينيه لرغبته في إنقاذ الملك من أقسي مشاهد العرض .. و'جونرويل'و'ريجان' ابنتاه اللتان تفوقت كل من صفاء الطوخي وسلوي محمد علي في أداء دوريهما .. شر وعقوق ورغبة وقسوة بلا حدود .. بينما كان 'إدموند' أحمد سلامة قائد الجيش والابن الغير شرعي لأشرف عبدالغفور هو المفاجأة بأدائه الغير معتاد وشره الذي كان سببا في قتل الأختين إحداهما الأخري بعد أن وقعتا في غرامه وتصارعا عليه رغم كونهما زوجتين
لقد توجهت إلي مسرح ميامي بوسط البلد مكان العرض بديلا من المسرح القومي الذي احترق قبلا وأنا أتوقع فقرا إنتاجيا معتادا ولكني وجدت الفقر قد نحته الموهبة جانبا فبدا لي إخراج أحمد عبدالحليم رائعا وقد جعل من المسرح كله وحدة متكاملة .. حيث تعددت أماكن خروج ودخول الممثلين واندمجوا مع المتفرجين .. واستخدمت المؤثرات في حدود المتاح لتعطي إيحاءات بالفخامة كما في قصر الملك أو الوحدة كما حدث في مشهد الفخراني وحيدا مطرودا تحت السماء التي بدت الشئ الوحيد المتحرك حوله بعد أن تحجر قلبا ابنتيه
واقع الأمر أن الفخراني كان ملكا علي الدوام في كل مشاهد المسرحية .. ملكا في حمقه وتسلطه برأيه في نبذ السلطة .. قوة في صوته تكاد تحطم من حولها .. وملكا عند اكتشافه عقوق ابنتيه .. بدا في هيئته التي تبدلت إلي شيخ مسن مسكين يبكي صوته دون بكاء .. وملكا لحظة تلقيه ابنته كورديليا أخيرا مشنوقة بأمر 'إدموند' وقد وعي حبها أخيرا بعد فوات الأوان
لا أدري كيف تيقن منفذو العرض من نجاحه وهو التراجيديا الصارخة التي تنتهي بموت جميع أبطالها وهو الأمر الذي لا يتقبله جموع المشاهدين .. ولكنها بالطبع ليست المرة الأولي التي يعرض فيها هذا النص بل ويعاد عرضه كل حين بعد نجاحه الساحق علي مدار سنوات .. وبعد نجاح فريق العرض في نقل تداعيات الأفكار ونوازع النفس وصراع الخير والشر في نفس الإنسان واشتهاءات البشر علي اختلافها .. اشتهاء للحب وللتملك وللسلطة ولإثبات الذات .. معاني عدة يصعب التعبير عنها لكنهم جميعا أجادوا وأبدعوا ليظل مسرح الدولة هو صاحب الرصيد الأعلي من الإحترام لما يقدمه من فن وإبداع وفكر راق
تحية واجبة لهذا العمل الرائع

علي هامش الإستمتاع

يتبلد البعض فيغيرون أماكنهم الخلفية إلي الصف الأول .. يجادلهم موظفو المسرح بعد بدء العرض .. يتحول لير إلي الفخراني للحظة وقد أزعجه الصوت فيهرب الجميع : الموظفون والمتسللون وأشهد تحول الفخراني إلي لير مرة أخري

من نفس الممر في شارع طلعت حرب يدخل نوعان من البشر : رواد مسرح ميامي ورواد إحدي المواخير الذي يصطف علي بابه الفتيات في انتظار الزبائن

ادارة المسرح تمنع 'بالفعل' دخول الأطفال أقل من سبع سنوات وكافة أدوات الإزعاج من مأكولات ومشروبات

المسرح المحترم جرعة روحانية غير عادية .. أتمني تكرارها كل حين