هل أعادت حقاً الخطوة التي اتخذها المجلس العسكري بشأن تفعيل بعض مواد قانون الطواريء- هل أعادت الأجواء في سماوات الرأي إلى أيام الثورة الأولى حيث كان نداء الحرية يتعالى فوق كل الأصوات حتى أنه أجبر "رأس النظام" على السقوط؟ سؤال يفرض نفسه في ظل تلك الإستفتاءات المتوالية التي تملأ الصحف على اختلاف اتجاهاتها وترتفع فيها أسهم قانون الطواريء بشكل ملحوظ منذ أيام !! ويقول ألف قائل أن هذه الجرائد المغرضة تمارس ألاعيباً معروفة لتزوير الرأي العام والتأثير عليه.. ويؤكد ألف قائل أنه إعلام الفلول الذي ما زال يسيطر ويفرض سطوته هنا وهناك وفي كل مكان
وهذا القائل رغم مصريته وليبراليته ورأيه السديد مخطيء بلا شك.. فالأمر لن يستغرق إلا دقائق معدودة يوجه فيها السؤال إلى أي سائر في الطريق ليقول له ويؤكد : نعم .. نحن بحاجة لقانون الطواريء.. ألا ترى الحوادث تزداد في كل مكان؟ ألا ترى البلطجية يفجرون ويعتدون بلا رادع ولا خوف؟
وإن شئنا الدقة.. هذا هو لسان حال الناس فعلاً رغم أنهم لم يصوتوا في تلك الإستفتاءات التي نعلم زيفها الدائم.. ولكنها الحقيقة المرّة التي لا مهرب منها.. والتي ظهرت في القِلّة التي أيدت جمعة "لا للطواريء" بالذهاب
لعل الأمر أبعد من ذلك.. لعل الجمعة الفائتة" جمعة تصحيح المسار" وما صاحبها من أحداث في نهايتها وَصَمت الثورة ببعض الأفعال المشبوهة التي باعدت بين الناس وبين النزول لإعلان المعارضة لقانون سيء السمعة طالما نادى الناس بتوقيف العمل به.. بل أذهب بالقول أنه أحد أسباب قيام الثورة ذاتها !!
ولكن ما الذي حول هذا المشهد اللامنطقي إلى حقيقة؟ ما الذي جعل الناس يرغبون حقاً بتفعيل قانون يقضي بتوفيقهم للاشتباه في أي لحظة؟ إنه الأمـــــن المُفتَقَد..
الناس ترى في الطواريء حلاً للحصول على حياة آمنة افتقدوها.. ويختلط في الأذهان الكثير من المفاهيم بين الوجود الطبيعي للأمن وقوات حفظه التي يجب أن تتواجد بشكل مستمر في كل مكان وبين قانون لم يتم تطبيقه إلا على المعارضين من كافة التيارات.
مرّت شهور طويلة منذ أن فُتحت أبواب السجون وانطلق المسجلين خطر والمشبوهين والبلطجية في ربوع البلاد.. ولم يُحاسب بعد من فتح تلك الأبواب!! لم يُحاسب من أطلق العنان لمارد الشر في النفوس الضعيفة التي وجدت في الفوضى مكاناً لها.. ولم يتحرك ساكن لوزارة الداخلية!! لم نشعر بتواجدهم بالمرة طوال تلك الشهور.. دأبوا على الإختفاء وقت الاحتياج لهم ودأبت الوزارة على الخروج بتصريح كل حين أن هناك خطة جديدة لنشر قوات الأمن التي يثبت الوقت أنها لم ولن تنتشر إلا في ظل تفعيل قانون الطواريء!!
سأدع الخيال ينسج نسجاً ملائماً حول المؤامرة التي هي حتماً تُحاك لنرضى بشراب الخوخ صاغرين.. وما تفعيل قانون الطواريء إلا نموذج لأشياء كثيرة سيقبلها الناس للخروج من النفق المظلم والحصول على وطن آمن.