آيات قرآنية.. وأحاديث شريفة .. وأقوال مأثورة مؤثرة تنتشر الآن على أوراق المرشحين فى كل مكان، فشهر نوفمبر يا سادة يا كرام هو شهر الانتخابات ، وهو من الشهور المبروكة لأصحاب المطابع وماكينات التصوير والرسامين والخطاطين صانعى اللافتات، وربما كانت هذه الحسنة الوحيدة لما ندعوه مجازاً- فى بلادنا انتخابات ، فهى موسم لاسترزاق الغلابة أصحاب الحرف التى لا تؤكل عيشاً ولا حتى سميطاً وتحقق لهم طفرة معيشية موسمية يعيدون فيها إقامة علاقات مع طوائف الشعب الأخرى كالجزارين وخلافه
الانتخابات الدائرة معاركها هذه الأيام ثلاثة أنواع، انتخابات الفصول فى المدارس وانتخابات اتحادات الطلبة فى الجامعات وانتخابات النقابات العمالية ،وشتان ما بين كل معركة منهم وأخرى، و هى انتخابات مضروبة بالنسبة للفئة التى ذكرتها سابقا والتى تسترزق من الانتخابات، فالاطفال لا يعرفون بوقوعها الا عندما يخبرهم مدرس الفصل بذلك، وطلبة الجامعة يقومون بأنفسهم بإعداد هذه اللوحات واللافتات، والموظفين يكتفون بمطبوعات ورقية بسيطة غير مكلفة فهو لن يهبر شيئاً فعلياً من هذه السلطة وهذا المنصب
بدأت علاقتى بالانتخابات الأولى - انتخابات الفصول عندما شرحت لابنتى معنى كلمة انتخابات وفائدة مثل هذا العمل
ومردوده على الفصل، وذلك عندما تقرر انعقاد الانتخابات فى فصلها من عدة أسابيع، وقد عادت يوم ظهور النتيجة حزينة مكتئبة لأنها خسرت وفاز منافسها على مقعد النشاط الاجتماعى لمجرد كونه ولد ولأن عدد الأولاد فى الفصل أكبر من عدد البنات وبدأت تسألنى عن حل لهذه المشكلة فى السنين القادمة وكيف تستطيع ان تستقطب بعض الأولاد ليصوتوا لصالحها وهل عليها ان تجامل الأولاد ولا تشكوهم لأى مدرس فى حال شقاوتهم المعتادة التى تؤذيها وتؤذى غيرها أثناء تكليف المدرس لها أحياناً بمراقبة الفصل وهذا يعطيها سلطة ما لابد ان تحسن استغلالها ، وهل سيردوا لها الجميل لاحقاً أم انهم سيستضعفونها ولا يقيمون لها وزناً ان فعلت العكس، أعجبنى تفكيرها ونصحتها أن تقدم ما تستطيعه فى المجال الذى ترغب فى الترشيح فيه مستقبلا وان تفهم ان الذى يتقدم للعمل العام عليه ان يبذل الجهد دون مقابل، وكذلك عليها ان تكون عادلة بما يكفى اذا طُلب رأيها وأن تبادر دوماً بطرح حلول لاى مشكلة تصادف زميل او زميلة وان تسعى باجتهاد لدى المدرسين لحلها ،ابنتى الحبيبة خاضت معركة اليوم الواحد دون ان تصرف مليماً، لم تطبع ورقة دعاية ولم تعلق لافتة، كان الأمر مجرد بروفة لما هو قادم فى آتى الأيام، وذلك باعتبار إن اسمى حلم وهى مجرد ابنة لحلم :)
وجاءت الانتخابات الثانية والجارية الآن فى معظم جامعات مصر لتحمل شكلاً أكثر نضوجاً وتطوراً وإن كان لايخلو من عبثية فى بعض الأحيان، المظاهرات التى صدمتنى بها الشاشة وقمع قوات الأمن للطلبة داخل الجامعة وغلق الابواب عليهم،و افتراش الطلبة لأرض الحرم الجامعى للاعتراض على شطب زملاء لهم من الترشيح وذلك من قبل الأمن_ وليس من قبل إدارة الجامعة، كل هذا أعاد إلى ذهنى صور ومشاهد من أيام دراستى حينما خرج الطلبة فى مظاهرة تنديداً بغزو العراق للكويت- تاريخ يا ناس- وقد قام الأمن وقتها بفقأ عين طالب أثناء عملية عجن الطلبة وقامت بعدها مظاهرات أخرى للتنديد بما جرى للطالب ولاعتقال آخرين لم يكن الوضع احسن حالاً فيما مضى ولم تكن أيامى زمن الماضى الجميل بل كانت أياماً سوداء مهببة استشرى فيها الإرهاب وظل سور كليتنا ملطخاً بالدماء ليومين متتاليين عندما قُتل بعض المتهمين بقتل رفعت المحجوب رئيس مجلس الشعب وقتها أثناء مطاردتهم من قبل قوات الأمن فى شارع الجامعة، كل هذه الاحداث التى اشتملت على صدام بين الطلبة والأمن كانت صوراً متكررة من نفس الصدام وقت الانتخابات كل عام حيث يخرج الطلبة فى مظاهرات للمطالبة بحرية الانتخابات وعدم تدخل الأمن فيها
ويطفو على السطح تعبير الجماعة الإسلامية التى كانت تؤدى بالفعل خدمات للطلاب بلا حصر ولكنها على الجانب الآخر كانت تفرض رأياً صارماً فى كل مايختص بالمتعاملين معها.. حجاب .. سراويل .. لحى.. وكانت تُواجه بالاعتقالات المستمرة وتكسير العظام وبالأسلحة الأخرى مثل إنشاء الأسر الطلابية التى تأخذ على عاتقها إفساد كل قيمة محترمة بدعوى الانطلاق والفرفشة، ربما كنت أسمع عن أمر هذه الأسر من بعيد وفى كليات الجامعة المختلفة،فقد كان طلبة كليتنا محملين بأعباء الامتحانات بالقدر الذى يعتبر فيه الذهاب إلى رحلة حلم بعيد المنال
أما الآن وفى عام الفين وستة فإن الوضع مازال بنفس السوء، ولكن درجة الشفافية التى نرى بها هذا "السوء" أوضح ، فقد أصبح بإمكان الجميع الآن أن يعرف أن انتخابات الطلبة ما هى إلا الوجه الآخر للعملة فى تصوير الموقف بين الإخوان والنظام، وصار من العادى والطبيعى ان يُشطب الطلاب المنتمين إلى تيار معاكس ، ما الجديد؟ أما تدخل الأمن فى مظاهرات الطلبة فهو " تراث" جامعى وتقليد يجب المحافظة عليه، أشد ما لفت انتباهى هو موقف طلاب جامعة الاسكندرية الذين رفضوا الانتخابات التى فُرضت عليهم افرادها وبالتالى نتائجها، وقاموا بعمل انتخابات اخرى صّوت فيها 12 الف طالب وهو رقم ليس بالقليل، ويخبرنى الرقم ان هذا العدد عقول ما زال بها بعض الأمل
وتبقى النظرة المختلفة التى يرى بها المجتمع مثل هذه الأحداث التى تقع فى الحرم الجامعى فالكثيرين يرون ان الأمر لا يستحق كل هذا الاهتمام فما هم الا فئة صغيرة متحمسة بشكل زائد نتيجة للمرحلة العمرية وأنهم لا يعتد برأيهم من الأساس ولذا فالواجب تقويمهم كما يقوّم الاطفال بالزعيق "القنابل المسيلة للدموع" أو بالضرب الغير المؤذى"الشوم"
والبعض يرى أن التجربة مفيدة لهم لكى يتعلموا ممارسة الديموقراطية فهى الفرصة الوحيدة المتاحة لهم لممارستها ومادام الأمر سيظل فى نطاق أسوار الجامعة، وانتماء أى طالب لأى فكر لا يعنى انتماءاً حقيقياً فهم فى النهاية أطفال كبار شوية وأفكارهم معرضة للتبدل والتغير بفعل الواقع الذى سيعايشونه والذى هو قادر على أنه يهد جبل مش مجرد فكرة أو انتماء سياسى
أما الطموحين لكون الجامعة كيان مستقل لا يجب ان يتدخل الأمن فى قراراته ، وأن الممارسة الديموقراطية داخلها انما هى الطريقة المثلى لتكوين شخصية سوية للطالب قادرة على تقبل الآخر برأيه ووجوده ، والساعين لأن يكون للطلبة رأى فاعل وجاد فى قضايا المجتمع بفكرهم المتجدد والبعيد عن القوالب والجوامد - كل هؤلاء مصيرهم إلى مزابل المجتمع ، يحكمون على انفسهم ان كانوا اساتذة جامعة بالفصل او على اقل تقدير البقاء فى آخر السلم الوظيفى بلا اى مزايا
ورغم كل ما سبق إلا أنى لا أظن أن هناك تطور حقيقى فى علاقة الأمن بانتخابات اتحاد طلبة الجامعات سيحدث على المدى القصير ، ربما لأننا نتكلم عن نفس الأمل منذ ان كنت فى الجامعة ، ولا حياة لمن تنادى
ونأتى للانتخابات الثالثة ، انتخابات النقابات العمالية، ورغم كونى موظفة منذ أكثر من سبع سنوات ومرت على أثناء وظيفتى انتخابات عام 2001 حيث ان الدورة النقابية خمس سنوات ، إلا أن معلوماتى عن هذه الانتخابات ومعاركها كانت ضئيلة جداً ، ربما كنت فى عام 2001 لسة زُهُرات وما ليش فى شغل الموظفين، والآن أصبحت أسمع أكثر مما أتكلم ، أو ربما كان الحدث هذا العام أشد وقعاً وتأثيراً بعد ما سمعناه عن حدوث استبعاد للكثيرين من ذوى الانتماءات الأخرى" إيه الانتماءات الاخرى دى ..هو فيه ناس تانية معانا وللا إيه".. ما علينا الانتخابات التى أعرفها وأحيا فى أجوائها كل يوم هى انتخابات لجنة نقابية داخل شركة تابعة لقطاع تابع لوزارة تابعة لحكومة ..ههههه ..ولكن ما أعرفه هو ان الامر لا يختلف كثيرا فى أى موقع انتخابى عن الآخر، نفس القيود والجمود، وإن كان الأمر يأخذ منحى آخر شديد الواقعية، فالإخوة المرشحون يطبعون أوراق الدعاية ويرسلونها الى المكاتب محملة بالامنيات الصالحات وخلف صورة كل مرشح توجد أذكار الصباح والمساء" وهى أدعية خاصة بكل المسلمين وليست طائفة معينة منهم" وأغلبهم يفضل النتيجة الميلادية التى يحتفظ بها كل كائن حى حتى لو كان معه موبايل وذلك بحكم التعود
ويأتيك البرنامج الانتخابى الذى يسعى فيه كل مرشح لاقتباس كل ما يمكنه من ورقة زميله ولا ترى فيه غير الاهتمام بدعم رحلات الحج والمصايف ومعارض السلع المعمرة وكل ما هو متأخر عنك من ترقيات واحتساب اجازات و..ات .. ات ..ات، وهكذا ياأعزائى تُختزل المطالب كلها فى توفير الاحتياجات الحياتية التى كان من المفترض الا تكون محل بحث أصلا ، ويصبح الهدف الرئيسى من الترشيح هو التقرب من رئيس مباشر أو التمتع بسلطة زائفة أو على أقل تقدير الحصول على الحقوق الشخصية من ترقيات وخلافه فى مواعيدها، ولا أستطيع كذلك إنكار أن هناك بالفعل من يهتم بأمر من حوله ويسعى ليأتى لهم بحقوقهم ولكن حتى هذا المثالى يعتبر انسان نااااادر الوجود فى مجتمعات العمل
أما العمل السياسى من داخل العمل الوظيفى فهو خل وفى- بمعنى الكلمة- وان كانت الدولة تمنع العمل السياسى فى الجامعات لأنهم قصّر مجانين مراهقين، فالموظف هو من ينأى بنفسه عن ذلك ، ويكون انتماؤه السياسى سراً فى أغلب الأحوال لا تفضحه غير " لحية" هنا أو ابن يدعى" ناصر" أو " سعد" هناك ، ويكون أداؤه داخل حزبه أكثر حرية لأنه لا يمس لقمة العيش المغموسة فى العلقم فى معظم الأحوال
Posted by بثينــــــة ::
7:08 PM ::
16 Comments:
Post a Comment
---------------------------------------