طيارة ورق

Monday, November 13, 2006

وردة حمراء للأهلى




فاز فريق النادى الأهلى لكرة القدم بدورى رابطة الأبطال الأفريقية بعد تغلبه على فريق الصفاقسى التونسى بهدف لساحره وساحر الكرة المصرية الرائع أبو تريكة فى مباراة أقرب للأسطورة تابعها ملايين المصريين عبر الشاشات يحدوهم الأمل فى إحراز الفوز والإحساس بلذة الإنتصار فى لحظة سعادة مفتقدة منذ زمن طويل

استوقفتنى أحداث الفوز بكل ما فيها، فرحة الناس الغير طبيعية الذين شاهدتهم عبر الشاشة محدقين بشكل غريب فى تليفزيونات القهاوى، مبلمين بمعنى أصح، ثم انتفاضة راقصة وكل منهم يحضن زميله وهو لم يبد أنه يعرفه، ورأيت من سقط مغشياً عليه، ومن كان يدعو ويبتهل ، ومن يشير بعلامة الصليب على وجهه، ورأيت زوجى قادماً بعد حين مبحوح الصوت منفرج الأسارير، وأخبرنى أن المرحوم صوته راح فى الزعيق أثناء الماتش، سألته وأين كان وقارك يا باشمهندس؟ فأجابنى لحظة الجون عانقت الشاب الواقف جوارى وكان من مشرفين الأمن على عمارتنا(!!!) فسألته وماذا بعد الماتش؟ أجابنى بأنه لو كان معه صديق واحد على الأقل لانطلق فى جولة فرحة فى شوارع القاهرة ولكنه اكتفى بالتلويح بعلم الاهلى - وموطنه الأصلى الزجاج الخلفى لسيارتنا

الأهلــــــى
سأستعير فى هذا السياق تعبيرات زوجى الأهلاوى الصميم والذى يرى فى الأهلى كمؤسسة مصرية أكثر من مجرد نادى رياضى مصرى يضم ملايين المصريين كجماهير وفية ومخلصة ، بل يراه-وأنا بالتبعية والأولاد بالوراثة-يراه مؤسسة تديرها قيادة واعية تمكنت من أن تنأى نسبياً عن مساوىء وآفات أصابت الكرة والرياضة المصرية كلها،وارتقت بالرياضة فى محيطها الضيق فأصبح النادى مكان اجتماعى ورياضى محترم، لا تقرأ إلا فيما ندر عن تجاوزات تحدث بين أروقته،ولا تسمع أبداً صراعات بين قياداته، وحتى الخلافات غير مسموح بخروجها للإعلام إلا فى أضيق الحدود، إنها إدارة واعية بأن كل فرد أدرى بتخصصه فلا تفرض الإدارة رأياً غير متخصص على فريق الكرة ولهذا تقلصت كبواته على مر السنين وأصبح هو مبعث الأمل فى الحصول على أى بطولة، وتمر انتخاباته فى إطار محترم فلا نشهد بها تزويراً ولا بلطجية ولا سنج ومطاوى كما يحدث فى باقى الأندية- والنقابات والأحزاب والمجالس المختلفة- ويكمن سر الأهلى فى تلك الإدارة التى ترى فى اسم الأهلى اسماً جديراً بالحفاظ عليه فلا تتورع عن معاقبة أى عضو أو لاعب عقاباً صارماً فى سبيل الحفاظ على اسم النادى، وهنا يأتى إلى الذاكرة موقف جهاز الكرة من عصام الحضرى الذى عوقب على خطأ ما بسحب شارة الكابتن ورضخ اللاعب إيماناً بفكر ناديه، ولأن اللاعبين فى الأهلى يلاقون التقدير المناسب من حيث العقود والرواتب والمكافآت ، فلا يشعرون أن هناك إدارة تعبث من خلفهم ويربض فيها الفساد والرشاوى والعمولات ، ورغم القسوة الظاهرة فى بعض الأحيان على اللاعبين نجدهم يرفعون انتمائهم للأهلى إلى عنان السماء ويفضلون الوجود فى قوائمه رغم قصر عمر لاعب الكرة متجاوزين عن عروض أخرى أشد اغرائاً فى نوادى تتلاطم فيها أمواج الفساد


الأهلى.. هل هو نموذج قابل للتعميم


هل يمكن لنا أن نطمح فى أن يسود نموذج الأهلى فى مؤسسات بلادنا؟ وكيف يمكن أن ننتمى لها بقدر انتمائنا لنادينا؟
كيف يمكن أن يكون لدينا إدارة واعية بكل شىء
ــ باحتياجات الناس الإنسانية من دخول محترمة ومصادر رزق غير منهوبة ومستوى معيشى لائق
ــ بمناخ ديموقراطى عام نزيه شريف عفيف
ــ بإقرار مبدأ التخصصية فلا واسطة ولا محسوبية ولا رشاوى ولا فساد
ــ بتطبيق العقوبات على المخطىء حتى لو كان ابن فلان باشا أو علان بيه
هل يمكن أن نكف عن فكرة جلد الذات كلما ارتفع صوت حاقد ونمتلىء حرارة ونحن ندافع عن بلدنا كما ننفعل عند مقابلتنا لخصم رياضى؟
هل اذا أصابت بلادنا كبوة سياسية أو اجتماعية ستثق بأنها ستعبرها بأمان كما تثق بناديك وتؤازره؟ هل ستشجع وترتدى علم بلدك وترسمه تاتو على وجهك وفى قلبك كما تفعل لناديك؟

يا الله لو أن كل ما نفعله لنادينا فعلناه لبلادنا، أمنية عصية التحقيق


التعصب.. والانتماءات الصغيرة


لم تكن المنافسة الدائمة بين الاهلى والزمالك إلا نيران تؤجج الارتقاء باللعبة ذاتها-اننى أتحدث هنا عن حقبة الثمانينيات التى أعيها جيداً- فكان انتقال لاعب أهلاوى للزمالك أو العكس حدثاً خارقاً للعادة، وكان يحكمه الخلاف الشخصى والعناد مع الإدارات وليس
المــال الذى صار الآن هو المحرك الرئيسى لكل فعل كروى،-وإن تبقى الأهلى حالة خاصة كما ذكرت-وصار مبدأ الاحتراف الذى نتبع فقط " فتافيت طراطيف" معناه هو السائد بجدارة، وتنامت أفكار وسلوكيات غريبة بين اللاعبين والأندية والجماهير فى السنوات الأخيرة ،وهى فى رأيى الأسباب الحقيقية وراء روح التعصب السائدة هذه الايام
فالأندية أصبحت " تسقع" اللاعبين مثل الأراضى، تشتريهم وتبقيهم على دكة الاحتياطى لمجرد حرمان النوادى الأخرى منهم_ ويقع النادى الاهلى رغم فضائله فى هذه الخطيئة ، بل ويتزعمها فى كل الأحوال
واللاعبون أصبحوا سلعة لها مروجوها وسعرها وتعرض لمن يدفع أكثر ضاربين عرض الحائط بكل الانتماءات وبمجرد انتقال اللاعب من ناديه فإنه يفضحه عبر وسائل الإعلام
والجماهير أصبحت تجد فى تعصبها متنفساً عن كبتها الحياتى ، فزادت الانتماءات الصغيرة وأصبحنا نصنف تبعاً لانتماءاتنا الكروية بدلاً من انتماءاتنا الحزبية-المنقرضة أو السياسية-المعدومة أو الفكرية-المعتقلة
فهل أصبحنا فى حالة عقم جماعىوصارت الكرة هى متنفسنا وأجوالها هم الأطفال الذين نفرح بهم فرحة عارمة
كتب متعصب بورسعيدى لافتة" بورسعيد مش بتحبك يا أهلى" فى مباراة جمعت الفريقين ورغم تبرؤ البورسعيدية من فعلته إلا أنها دلالة قوية على تغير فى سلوكيات الناس الذين أصبحوا أكثر حدة فى التعبير عن انفعالاتهم ، ويظهر هذا جلياً فى لقاءات الاهلى والزمالك والاسماعيلى والمصرى بالذات لكبر قاعدتهم الجماهيرية، فأصبحوا يشكلون كيانات كروية كأنها دول داخل الدولة ، وأصبح مشجع الكرة يجاهر بأنه سيشجع فريقاً أجنبياً ضد فريق بلده الذى يكرهه
أليست كلها إشارات ودلالات على أن هناك خطأ ما يستشرى فى مجتمعنا؟
إن الناس تعانى خواءاً ما وتفرغه فى معين الكرة، المجال الوحيد الذى يستطيعون فيه الصياح والتعبير عن أراءهم ، ويستطيعون إقالة مدرب، وحل مجلس إدارة بقوة حناجرهم فقط، بينما يقوم الاعلام الرياضى بدور غير عادى فى ازكاء نيران التعصب سعياً وراء الاثارة، ولا يدركون انهم يشكلون بهذا وعياً زائفاً لدى الناس، فالكرة هى زاد الفقراء والاغلبية الصامتة ، هى الحياة الافتراضية الموازية التى يحيون تفاصيلها بمنتهى الحرية، وهى تخاطب البسطاء فى غالبيتهم فلا مبرر لايقاظ المارد من نومته لينقلب حتى البسطاء على انفسهم، ولا تستفزوهم بارقام بيع وشراء لاعب فهم ليسوا على دراية فى أغلب الاحوال بكيفية نطق هذا الرقم
دعوا لهم لأفراحهم الصغيرة وانتصاراتهم التخيلية وانتمائهم "لشىء" ما هم فى أمس الحاجة للانتماء إليه

هـوامــش هـوامــش

ــ يقولون كثيراً أن الكرة هى مخدر الشعوب، سمعت بأذنى هذه الكلمات من صاحبها صارخاً: انهم يخدروننا بالكرة، المصانع بتقفل والناس مش لاقية تاكل، وجايين نتكلم فى الكرة؟
يخيل إلى أن الناس كلها فى حاجة لفرحة ما- أى فرحة- فى هذا الزمن، الكثيرون بحاجة لوجبة سعادة يتناولونها بدلاً من عشاء غلا ثمنه، ومن هم المقصودون ب" هم" فى هذا الاتهام؟ هل هى الحكومة ؟ بالقطع لا انهم الناس نفسها التى تسعد نفسها بما هو متاح ، أليس هذا الصائح هو من صاح قبلاً بعد صفر المونديال الشهير: حتى الكورة مش فالحين فيها؟؟
انهم السوداويون الذين يرون فقط النصف الفارغ من الكوب ويقللون من كل انتصار ويعلقون كل أمر على شماعة السياسة المستهلكة، ويصيحون: فلسطين تُباد ونحن نفرح بانتصار كروى ؟ وينسون أن فلسطين تباد منذ أكثر من من خمسين عاماً وأن أهلها يمارسون الحياة بكل طقوسها، فهل نحيا حداداً دائماً على عروبتنا المذبوحة بأيدى الحكومات ونسلب الشعب الغلبان فرحة صغيرة تنير ظلمة أيامه؟

ــ يقولون : حدث نفس التحرش بعد فرحة الانتصار فى المكان الفلانى والمكان العلانى وكأن كل المصريين صاروا متحرشين، فليكن ، فلنطبق قانون الأهلى ، فلا تسكت ضحية، ويقدم الجانى أو الجناة لمحاكمة عادلة ، فلنطالب بأمن يحمينا ولا يهيننا، لنطبق القانون كما يجب أن يطبق ولنبحث فى قلوبنا عن ذرة حب وانتماء لهذا البلد تدفعنا للحفاظ عليه، والانتماء إليه




Posted by بثينــــــة :: 10:50 PM :: 15 Comments:

Post a Comment

---------------------------------------