Wednesday, December 13, 2006
بعض أوجاع
لم أعد أتابع من الأخبار إلا النذر اليسير، لكنها تحاصرنى حصارا عسير، فقد صار عالمنا رغماً عنى صغير، أوجعتنى كثيراً أخبار أولاد الشوارع، وتوحش زعيمهم ذلك الحَدَث الضائع، وتعجبت كيف يلفظ مجتمعنا من الأطفال مليونين، مشردين ومعدمين وعلى وجوههم هائمين، وداهمت ذاكرتى مؤتمرات مجلس الأمومة، وسيداته الفضليات ذوات القلوب الرؤومة، وفخامة رياش القاعات، والاعداد اللانهائية من الندوات، وجمعيات أهلية تنال دعماً بانتظام، وتسلك فى بلادنا سلوك اللئام، فتنهب هبات ذوى القلوب الرحيمة، وتترك مستحقيها فى أثمالهم القديمة، ورأيت الهوة تتسع وتزيد، حتى نكاد نصبح شعباً من أسياد وعبيد، رأيت ذاك الحَدَث الصغير يحكى فى مرارة، كيف تطرده أمه وتدفعه إلى فراره، رأيت بعينى كيف مزّق الفقر الأمومة، فهربت إلى مجلة أتصفحها مهمومة، فإذا بى أطالع ما يشيب له الولدان، أسر بالآلاف تحيا على معاش الضمان، غذاؤها الأساسى الفول وأرجل الدواجن، وتتسول بقايا الدواء من على أبواب المساكن، و آلاف المتعوسين يحيون بمائة جنيه فى الشهر، ويقيمون أودهم بالخبز الحاف أبد الدهر، وجاء السؤال من تلقاء نفسه، هل الفقير مدفوع دفعاً إلى يأسه؟ وهل الفقر هو فى أغلب الأحوال ، دافع للجريمة من أجل المال؟ وجائتنى سريعاً أغرب إجابة، مُمَثلة فى تحقيقات النيابة، مع صاحب شركة سيارات كبير، أدرك بحصافته قانون بلادنا الشهير، "اسرق وانهب وطر إلى بلد بعيد"، وستظل فى مأمن من الكلابشات الحديد، وما زادنى عجب على عجب ، أن الرجل كان "يوظف" الأموال فى دأب، وكأننا شعب من الكافرين لا المؤمنين، نلدغ من الجحر الواحد أكثر من مرتين، لعل الرجل رأى التعليم فى انهيار، والحفاظ على صحته يدعوه للأسفار، فآثر النجاة وأسرته بالسلامة، بعد أن لاحت علامات يوم القيامة، أو لعله رأى انقسام المجتمع إلى ناهب ومنهوب، فانضم إلى ناهبى بلدنا المكروب، وبينما أنا فى تأملاتى مصدومة، عرفت أخطر سر من أسرار الحكومة، ومعها بطانة كبيرة عظيمة، ممن يطلق عليهم من مكونات التورتة"الكريمة"، فهى بالتأكيد لا ترى ولا تسمع ولا تتألم، وفى الأزمات يصيبها داء الصمم، بشر وما هم ببشر، لا يشعرون بما بنفطر منه الحجر، وأدركت أننا رغم تفاوت الفقر فقراء، بينما هم على قوائم أثرى الأثرياء، معنيون ومهمومون فقط، باستيراد طعام القطط، والحديث من داخل البذلات والفساتين السينييه، عن محاولاتهم لرفع قيمة الجنيه، وبينما يموت جوعاً من يموت، نحتفل بإنشاء أول ميناء دولى لليخوت، ويرون أننا مادمنا ارتضينا الهوان، فلهم أن ينهبونا فى أمن وأمان، وعندما مزقت المجلة وهممت بتحطيم التليفزيون، أوقفنى نداء داخلى عن هذا الجنون، منبهاً إياى أن الجهاز مازال عليه أقساط، ليصبح ملكاً لنا أربعة وعشرين قيراط، وأنى سأحرم أولادى من الكارتون، وسنحرم جميعاً من تسريحات أحمد عبدون، وسأفتقد فتاوى شيوخ الفضائيات، وسيخرج زوجى للكافيهات لمشاهدة المباريات، وهنا سكتّ عن التحطيم المباح، وابتلعت حبتين منوّم خمدونى حتى الصباح
*********
عندما يضغط الوجع الكبير على أوردة القلب وشرايينه، يتقازم الوجع الصغير حتى يكاد يجف معينه
Posted by بثينــــــة ::
9:36 AM ::
8 Comments:
Post a Comment
---------------------------------------