Wednesday, May 14, 2008

المتحدثون إلي أنفسهم

‎


كان صحوا معتادا متأخرا في يوم ثلاثاء لا يميزه كأي ثلاثاء سوي انحناء الأسبوع في اتجاه النهاية للوصول إلي ما أقنع نفسي أنهما يوما الأجازة المشهودان..حيث الراحة التي اكتشف أنها خدعتي الأبدية التي أتمكن بها من إدارة قرص الأيام
كنت'أحث' نفسي علي الإسراع-بصوت منخفض علي ما أظن- وأنا أكاد أركض
وفي ذلك الثلاثاء استطعت الحصول علي تاكسي بسرعة بعد تفاوض قليل مع سائقه..فبعد ارتفاع اسعار البنزين أصبحت أجد لهم العذر..نوع من التعاطف الإنساني .. المهم .. انطلق الرجل متبرما رغم الأتفاق المرضي ..ونفسه تحدثه-وأكاد أسمعها- بزبون جديد في نفس الاتجاه ..لا ضير في تحويله لميكروباس شيك مادامت السماجة موجودة
بدأ السائق ككل سائق في سب المارة وقائدي السيارات والدنيا وما فيها..ورغم أن كل سبابه تقريبا في محله لذهولة المارة كما لو كانوا جميعا يبغون الإنتحار..ورعونة قائدي السيارات وكأنهم جميعا كارهين للحياة.. ورغم ذلك إلا أني تمسكت بفضيلة الصمت ولم أعلق
وجاءت اللحظة التي علقنا فيها بتلك الإشارة ..همست لنفسي بصوت منخفض علي ما أظن..بأنني رغم تأخري عن العمل ورغم أن ماكينة الدخول تكاد يوميا تغلق من دوني إلا أنني لم أتمالك من الشعور بالراحة فقد كنت بحاجة لصمته
وعلي جانب الطريق كان هناك ذلك الرجل..لا يختلف في هيئته عن معظم من في سنه من السائرين بكرش متوسط وشعر رمادي لكنه منكوش قليلا وبنطلون كالح وقميص متهدل لاحظت كرمشته وبقعه
كان يستند إلي سور من خلفه و.. يتحدث
يتحدث وحيدا
السائق: الراجل بيكلم نفسه..أهو ع الصبح أهوه حاجة تحزن وتقطع القلب

ليه كدة بس يارب..يارب عافينا
أنا ‏..‏ صامتة
السائق: علي فكرة دة مش أول واحد أشوفه كدة .. دول كتير أوي .. وبيكتروا
أنا..صامتة
السائق: بس دة شكله مجنون جديد مش كدة..يعني لسة هدومه نظيفة يادوبك شعره منكوش..لسة ما اتبهدلش
أنا .. صامتة
السائق: تفتكري حضرتك الراجل دة إية اللي جننه..يمكن مراته..لا مؤاخذة يعني يا مدام..بس الستات مش هم بس سبب جنان الرجالة اليومين دول..دة كان زمان أيام العز..آه..أصل لا مؤاخذة الواحد لما يكون شبعان ومستريح يبدأ يفكر بأة في أحواله العاطفية..يقرف اللي معاه ولا يهنيه..كدة يعني.. ما كانش فيه غير مشاكلنا اللي جوة مننا هي اللي كانت بتجنن الناس..الخرعين يعني..علشان كدة ماكانش فيه مجانين كتير..وللا إية
أنا .. صامتة
لكن بعيد عنك الواحد لما بيفلس ويقرب يشحت بيبقي متنيل علي عينه..زي المسمار بياخد فوق دماغه وبس..مش ملاحق .. ومش عارف الضربة جاية منين..مسكين الراجل دة..لبسه بيقول كان محترم.. يا تري إية خللي أبلاتينه لدع كدة.. يا تري الأسعار ولا الأمراض ولا الفقر ولا البطالة ولا العيال ولا الخنقة..ولا ولا ولا

دامت الإشارة ربع ساعة ولم يكن الرجلان قد توقفا عن الحديث..كلا يحدث نفسه..أحدهما غير مدرك أن لا أحد يسمعه .. ربما هو خارج نطاق عالمنا أصلا .. والآخر يدرك أنني أسمعه لكنه يريد ربما الصراخ .. ليزيل الصخرة الجاثمة علي صدره..كما الجميع




‎