لم أكن أرغب بالحديث عن هذا الأمر.. فمجرد الخوض فيه يسبب لي ضيقاً لا نهاية له.. ولكنه إحساس بدأ يتزايد مع الوقت وبدأت أراه مسطوراً هنا وهناك .. تارة بكلمات بلهاء وتارة أخرى بسخرية هازئة لا محل لها
إن كل الأقلام تنبري هذه الأيام لتسير في أحد طريقين
أولهما يؤكد على الوحدة الوطنية .. يؤكد وجودها وحتميتها- بالرغم أن وجودها يكاد يكون منافياً لحتميتها لو شئنا بعضاً من الفلسفة .. وهؤلاء يأتون من ذكرياتهم ما يبرهنون به على تأصلها في مجتمعنا المصري منذ أن بدأ الهلال يحيا مع الصليب
والآخر .. يؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن الأمر مؤامرة خارجية تُحاك حول بلادنا لتنال من أمنها واستقرارها وللتفرقة بين عنصري الأمة
والحقيقة أنا لا أدري في أي المسارين أسير!!!ا
فالاتجاه الأول رغم صفاء نية مريديه يغفل حقائق كثيرة ويبدو وكأنه يُعلي فكرة أن ما نقوله ونؤكده لأنفسنا هو الحقيقة وذلك على طريقة : أنا مش قصير أذعة أنا طويل وأهبل.. ويتجاهل أوقات كثيرة امتلأت فيها نفوس الجانبين بالمرارة والحنق المتبادل نتيجة حوادث فردية أو أشياء أخرى عديدة يساهم في ترسبها في أعماق الناس تباطؤ جهات الأمن مثلا وهيئات القضاء في تطبيق القانون وخاصة في الصعيد ولهم أسبابهم التي تتلخص في محاولات الصلح بين الأطراف المتنازعة وهو عرف سائد هناك وهو الأمر الذي يتحول مع الوقت لصراع بين مسلم ومسيحي وليس بين مصري ومصري ويبدأ الأطراف في تفسير التقاعس كل في صالح الطرف الآخر فتجد المسلم يبرره بسطوة الكنيسة وتدخلها وتجد المسيحي يتحدث عن التعامل معه كفرد من أقلية وهو ما يتزايد ويتراكم في النفوس مع الوقت وإن حلت مشكلة .. لتجد تاريخا من الإحساس بالظلم في الأعماق يبادر بالظهور في أية مشكلة جديدة ويؤثر في تفاقمها
وهكذا وبصورة تدريجية يتراكم هذا التاريخ المتبادل من الإحساس بالظلم فوق الصورة الأولى التي لم يكن يشعر فيها الطرفان إلا بالوفاق والحياة المشتركة الهادئة..تلك الحياة التي لم أعرف غيرها منذ الصغر
المشكلة أن الإحساس بالظلم يتم تفسيره داخل كل طرف لصالح الطرف الآخر ولا يُترجم بأنه مظلة كبيرة من الظلم ترفرف على سماء البلد التي تضمهما معاً.. وظني أنه لو كل مصري مسلم كان أو مسيحي أعطى لنفسه فسحة بسيطة من التفكير لوجد أنه يقاسي في هذه البلد تماماً كالآخر ..فقط لو أمكنهما إسكان عقيدتهما داخل القلب لأمكنهما بسهولة شديدة رؤية ذلك
أما الاتجاه الآخر فهو يسير رافعاً لواء المؤامرات الخارجية معتمداً على ما يقوم به كل حين أقباط المهجر من حملات لوقف الاضطهاد الداخلي .. الذي ينكره الجانبين في الداخل.. ينكره القبطي مؤكداً على استقلالية كنيسته..وينكره المسلم رافضاً التدخل الخارجي في شأن خاص ومؤكداً على وحدة الأمة"راجع النقطة الأولى" .. وهو ما أعجز عن فهمه حقاً
ولكن محاولاتي البسيطة لتفسيره تذهب في اتجاه واحد .. فمصريون المهجر خبروا الحريات الحقة ورغماً عن إرادتهم يقعون في فخ المقارنة بين المجتمعات التي يحيون بها والمجتمع الذي أتوا منه.. وأظن هذا هو سبب ظهور ما يعرفون بأقباط المهجر وحقوقيون مسلمون في الخارج...إنها الرغبة في إصلاح مجتمع تسوده عادات شديدة الخصوصية بمبدأ غربي مختلف ولعله من هذه النقطة يبدأ الخلاف.. ويبدأ أقباط مصر بالإحساس بكونهم أقلية .. وهو ما بدا يطفو على السطح بشكل غير معهود سابقاً وهو ما يؤججه أيضاً كثرة الحديث في الأمر عبر وسائل الإعلام وغيرها من قنوات التواصل.. وكذلك الأمر في ظهور طائفة من المشايخ التي تساهم عن قلة فهم للدين الإسلامي بتأجيج مثل هذه المشاعر السلبية وخاصة في المناطق البعيدة.. أما الحقوقيون الذين يسعون لإصلاح سياسي ناتج عن خبراتهم الحياتية بالخارج فلهم الله.. فهم يحرثون للجميع في بحر لا نهاية له
حقاً أنا لا أفهم هذه اللغة التي يتحدث بها الجميع الآن وينتابني إحساس بأني جالسة على فوهة بركان..رغم خلو بلادنا من البراكين على حد علمي.. ولا أفهم كيف تتلخص العلاقة بيني وبين آخر في معرفة عقيدته أولاً وتقييمه على أساسها وهي أمر بينه وبين ربه..وهو سلوك بات ظاهراً جلياً في الآونة الأخيرة.. وصارت الابتسامة بين طرفين مختلفي العقيدة مشكوكاً في نقائها
ببساطة.. أنا لا أحب ذلك ولا أريده.. وما زلت أملك الكثير من علامات الإستفهام حول هذه الزوبعة التي تثار كل حين في نفوس الناس دون أسباب واضحة
لا أفهم
..