المشهد الأول
يرتفع صوت الرجل في الإذاعة الداخلية للمبنى: السيدات الزميلات برجاء مُغادرة المبنى فوراً
ننظر لبعضنا البعض في استغراب فيكرر الرجل ندائه بلهجة أقوى فنبدأ في التقاط أشيائنا بسرعة وتتعالى التعليقات من الزملاء
- تحيا الثورة طبعاً تلاقيكو سعداء علشان ماشيين
- اشمعنا السيدات؟ واحنا؟
- هيفرقعوا المبنى بالرجالة وللا إية؟
أغادر المكتب على عجل ويقترب مني زميل قائلاً: مافيش معاكي طرحة زيادة؟
...
المشهد السابق على المشهد الأول والذي امتد لمدة أسبوع هو افتراش العمال الغير مُثبتين لمدخل المبنى واعتصامهم حتى تتحقق مطالبهم.. أو بالأحرى مطلبهم الوحيد بالتثبيت في عملهم
إنه إعتصام مُعتاد الحدوث في الأيام السابقة للثورة وقد اتخذ أشكالاً عديدة في السنة الماضية حتى انتهى ذات اعتصام إلى وقوف بعض الموظفين بالملابس الداخلية بالأيام أمام مجلس الوزراء ولم يتحرك لأحد ساكن.. ولم يرمش للحكومة وقتها جفن ولم يتخيلوا أن هذه الاعتصامات هي اعلانات متتالية عن السخط الذي أدى لانفجار.. ويقيني أن هؤلاء المطحونين هم أول من انضموا لشباب الثورة وألّفوا الملايين التي سكنت ميدان التحرير حتى أُزيح النظام
والإعتصامات التي انبعثت هذه الأيام هي امتداد لتلك الإعتصامات السابقة.. لبشر مطحونين تخيلوا أنه بتغير النظام والحكومة فمن حقهم في التوّ واللحظة تحقيق مطالبهم.. لا معنى لشيء غير الإصرار على المطالب حتى التحقق هكذا علّمتهم الثورة.. لا وقت يمكن أن يمنحوه للحكومة للتوازن أو لاستعادة السيطرة على الأمور.. لقد انتظروا طويلاً جداً وبرأيهم إن لم ينالوا حقوقهم الآن وفوراً فلن ينالوا شيئاً.. بدا الأمر دوماً عقيماً أن يُحاول أحد اثنائهم عن التراجع وإرجاء مطالبهم
المشهد التالي
امتداد الاعتصام لأيام تحول معه مدخل المبنى لمنظر مُخزي حيث تراكمت البطاطين بجوار الحوائط.. وظل الجمع على رفضه لكل عروض تقدمت بها الإدارة -الغائبة فعلياً عن الساحة وتراسلهم عبر مندوبين- وظلوا على إصرارهم.. فتركتهم الإدارة أياماً لم يُصبهم فيها الملل إلا في ذلك اليوم الأخير حيث سمحوا بمرور السيدات قبل انتهاء موعد العمل بساعات
مضيت إلى بيتي وأنا أفكر بما سيفعلونه.. أفكر بكم التعاطف الذي أحمله لبعضهم.ز أولئك الذين اجتهدوا في عملهم بصورة كبيرة وحسّنوا من وضعهم التعليمي.. بينما يقل التعاطف مع الآخرين الذين يعدون عمالة غير مؤهلة تُشكّل الأغلبية منهم.. عمالة متوافرة بلا أي تأهيل وتطالب بنفس الحقوق كما الآخرين !! أعلم أن المناخ العام لم يمنحهم فرصاً عادلة وأفكر بان أقرانهم حطّموا الصخر ليُصبحوا متميزين !! أحتار في توجيه دفة مشاعري ولكن الخوف يتملكني على الجميع
اتصل بأحدهم وهو العامل المجتهد الخاص بمكتبنا.. أسأله كيف تمضي الأمور فيجيبني
- أنا ذهبت إلى بيتي الآن.. أنا في نظرهم خائن ولكني لن أمضي معهم فيما يُخططون له.. دة مكان أكل عيشي
تتوالى بعدها مكالمات الزملاء.. بعد أن نجحوا في الخروج من الشركة التي أخرج العمال على أبوابها العصيّ والشوم ليضربوا بها الموظفين !! لم يُصب أحد فالجيش الذي كان يراقب الموقف عن قرب تدخل بعد تحطّم بوابة المبنى وأنقذ الموظفين واعتقل الآخرين
....
في تلك اللحظات عرفت مشاعري الاتجاه الصحيح.. تلك البلطجة أنهت كل تردد وتعاطف.. وليس المهم الآن تعاطفي ولكن المهم أنهم فقدوا كل ما كانوا قد اكتسبوه في خطوة سابقة وعروض لم يقدّروها جيداً.. لم يتفهموا أن الضغط له حدود.. أعيب على الإدارة شدة التخاذل والصمت والتجاهل الذي أوصلهم لهذه الحالة لكن كلمة ذلك العامل هي الفيصل: دة مكان أكل عيشي
في النهاية.. أظن ان تلك الاعتصامات يجب أن تنتهي وبأسرع وقت.. الأحداث والمُستجدات على الساحة تُنبيء بأن لدينا حكومة تستمع وتستجيب وليس كالسابق لا تستمع وإن فعلت تُعاند.. الأمر أعده واجباً وطنياً أتمنى أن يعيه الجميع: لا اعتصامات ولا مطالب فردية تُجهض الثورة وتُشتت الانتباه عن كل الأحداث الجِسام التي تواجهها البلد
بلدنا تستحق