Thursday, October 12, 2006

بَحْثٌ عَن رَىٍٍ خَاص

أمسكت بالكتاب وأنا أمنّى نفسى بفائدة عظيمة، كتاب الروح
وكعادتى بدأت من آخر صفحة: الفهرس، وانتقلت بعدها للكاتب وهو ببساطة ابن قيم الجَوْزِية(وذلك لأن أباه كان قيماً على مدرسة الجوزية فى دمشق) وولد سنة 691 هجرية وعاصر المعلم والعلامة الشيخ تقى الدين ابن تيمية وتوفى ابن القيم فى عام 751 هجرية
لعلنى كان يجب أن أتسائل من البداية لماذا هذا الكتاب وما حاجتك للبحث فى أمر شديد التعقيد كهذا؟
اننى أشعر كالكثيرين ببعض التيه الداخلى، وأشعر بأنى بحاجة لبعض الفهم لنفسى ولحقيقتى بعيداً عن قشرتى الخارجية التى يعتريها دوماً مرض، عطب، جرح، اننى بحاجة للتزود من بئر أخرى غير ما اعتدت على تجرعه، وبحاجة لفعل ما هو أكثر من سماع حكايات عمرو خالد وهز رأسى تفهماً رغم كون هذا الفعل فى ذاته أمراً محموداً ، إن القلب يحتاج لرى من نوع خاص ، بعيداً عن ضوضاء عالمى المحيط، يحتاج لكثير من ذكر الله سبحانه ورسوله (ص) وها أنا أقلب صفحة تلو أخرى وكأنى أجد روحى

من خارج الكتاب تأتينى فى البداية معلومة عن كاتبه السنى المذهب والذى كان متصوفاً فى بداياته وكان تلميذا لتقى الدين ابن تيمية ولكنه كان أسلس منه أسلوباً ونهجاً ،وقد كتب ابن القيم هذا الكتاب وغيره وقت ان كان متصوفاً وعاد وعدل بعض ما فيه بعد ذلك عندما خرج على المتصوفة

يبدأ بحثى عن إجابة لسؤال طالما حيرنى كثيراً : ما معنى النفس ؟ وما معنى الروح؟ وهل هما شىء واحد أم هما مختلفان؟
النفس كما فهمت هى الروح وفى الوقت نفسه تطلق على الذات بأكملها كقوله تعالى وكما جاء فى القرآن الكريم
كل نفس بما كسبت رهينة ـ المدثر38
وقوله تعالى فسلموا على أنفسكم ـ النور61
وقد تطلق على الروح وحدها كقوله تعالى
يأيتها النفس المطمئنة ـ الفجر 27

أما الروح فلا تطلق على البدن لا بانفراده ولا مع النفس
وقد تطلق على الوحى أى القرآن كقوله تعالى
وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرناـ الشورى 52
وقد تطلق كذلك على الوحى على الأنبياء والرسل كقوله تعالى
ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده ان انذروا إنه لا إله إلا أنا فاتقون ـ النحل 2

والروح التى تقبض وتتوفى ( سأبحث فى أمر وفاة الروح لاحقاً)هى روح واحدة وهى النفس

ويطلق على القوى الموجودة فى البدن كلمة الروح وهى مودعة فيه وتموت بموته مثل الروح الباصر والروح السامع وهى غير الروح التى تقبض فى نهاية حياة المرء
ويطلق لفظ الروح على غير ذلك من معنويات الأمور فالإخلاص روح والإحسان روح وتنسب هذه الأرواح إلى الروح كنسبة الروح إلى البدن فإذا فقدتها الروح كانت بمنزلة البدن إذا فقد روحه

والناس متفاوتون فى هذه الأرواح أعظم تفاوت فمنهم من تغلب عليه فيصير روحانياً قوى المعرفة بالله وكثير الإنابة إليه ومنهم من يفقدها فيصير بهيمياً

ويراودنى الآن سؤال آخر.. هل تموت الروح أم الموت للبدن وحده؟
قال البعض تموت الروح وتذوق الموت لأنها نفس وكل نفس ذائقة الموت وكما قال تعالى
كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام ـ الرحمن 26-27
قال آخرون لا تموت الأرواح فإنها خلقت للبقاء والموت للأبدان ودليل ذلك الأحاديث فى القرآن والسنة عن عذاب الروح أو نعيمها بعد مفارقة البدن إلى أن يرجعها الله فى أجسادها ولو ماتت لانقطع عنها النعيم أو العذاب فقد قال الله تعالى
ولا تحسبن الذين قتلوا فى سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربهم يرزقون ـ آل عمران 169
هذا مع القطع بأن أرواحهم قد قبضت وفارقت الأجساد وذاقت الموت

إذن موت النفس هو مفارقتها للجسد وخروجها منه وهى بهذا ذائقة الموت

أتوقف عند هذه النقطة فقد بهرنى الأمر حقاً، إن المعلومة تتسلل إلى عقلى رغم ان ابن القيم يعرض قبل أن يؤكدها عشرات بل مئات الآراء المخالفة ، وهذا لم يشتت ذهنى بقدر ما كان تتبعاً لمنهج العرض والتحليل والدحض، وشغفاً بالنتيجة التى وصلنا إليها منطقياً بعد تفنيد آراء الآخرين

يقودنى البحث الآن إلى سؤال آخر : هل لابن آدم نفس واحدة أم ثلاث أنفس المطمئنة واللوامة والأمارة كما جاء ذكرها فى القرآن الكريم؟
النفس واحدة ولكن لها صفات فتسمى باعتبار كل صفة، مطمئنة باعتبار طمأنينتها إلى عبوديتها إلى ربها وخالقها ومحبتها لها وإنابتها إليه وتوكلها عليه ورضاها به وسكونها إليه، فالطمأنينة إلى الله سبحانه ترد قلب العبد إلى ربه حتى كأنه جالس بين يديه يسمع به ويبصر به ويتحرك به ويبطش به وتحدث الطمأنينة بذكر الله كما قال تعالى
ألا بذكر الله تطمئن القلوب ـ الرعد 28
أما النفس اللوامة فهى كما قال تعالى
ولا أقسم بالنفس اللوامة القيامة ـ 2
هذه النفس نوعان :نفس لوامة ملومة وهى النفس الجاهلة الظالمة التى يلومها الله وملائكته
ونفس لوامة غير ملومة وهى التى تلوم صاحبها على تقصيره فى طاعة الله مع بذله جهده فهذه غير ملومة لأنها تخلصت من لوم الله، وهى أيضاً النفس التى رضيت بأعمالها ولم تلم نفسها فهى التى يلومها الله سبحانه

وأما النفس الأمارة فهى المذمومة والتى تأمر بكل سىء وهى طبيعتها إلا ما وفقها لله وثبتها وأعانها، فما تخلص أحد من شر نفسه إلا بتوفيق من الله كما قال تعالى
ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبداً ـ النور 21
فالشر كامن فى النفس ويدفع لسيئات الأعمال ولا نجاة من ذلك إلا أن يعيذنا الله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا
وقد امتحن الله سبحانه الإنسان بهاتين النفسين اللوامة والأمارة مثلما أكرمه بالمطمئنة وهى غاية الكمال والصلاح
شعرت بسعادة بعد بلوغى هذا القدر ، ودونت ما وصلنى حتى أعود إليه كل حين، ومازال الكتاب يعج بكثير من أسئلة تحيرنى، وربما أكملت بحثى لأصل لإجابات وافية تروى هذا الظمأ
************
ملحوظة : الكلمات بالأخضر هى لينكات لصفحات أشعر فائدتها