Monday, January 21, 2008

الجزيرة..عندما تجعلنى السينما أفهم الواقع






لماذا عساى لا أصدق أن شريعة الغاب هى القانون السائد و"المرجعية"المعتمدة
يمنعنى "محيطى الهادىء"والذى ينقصه ولله الحمد تلك الجزر البعيدة
تمنعنى أبيات شعر وقصاصات نثر أقضى بينهم عمرى عن الرؤية السليمة
أدور وأدور حول ذاتى وأتخيل الألم فى طرف إصبعى هو المنتهى
لكنى كنت دوماً أتعامى ..فكل من حولى يأكل بعضه..كل أقوى يلتهم كل ضعيف بطريقته..ويلوكه كما يحلو له..ولكنها فقط طرق ومنهجيات متعددة

ــ أنا عايز أتعلم وأعيش زى "بجية" الناس ..ومش عايز "أكتل ولا أتكتل"
نطق الصغير "ثمان سنوات على الأكثر" بهذه العبارة فى البرنامج الشهير وبجواره عمه الذى يتحدث بطلاقة شديدة رغم أنه لم ينل قسطاً من التعليم..ويؤكد العم ذو العمامة واللاسة : رأيت أفراد عائلة الخصم توقف سيارة أخى وتقتله هو وطفله "أربعة سنوات"،وقد أصابت ابن شقيقى ثلاثين رصاصة على الأقل
!!!
وبمراجعة الفقرة الأولى مراجعة سريعة سيسهل فهم مشاعرى: خليط من عدم التصديق والصدمة والشفقة على الطفل الجالس والذى يشكو من معايرة زملاؤه له فهو لم يأخذ بعد بثأر أبيه وأخيه،أما الطفل الذى قُتل بثلاثين رصاصة فقد أخذت بقلب بارد أتخيل حجمه وكيف يمكن أن تجد الرصاصات الثلاثين مكاناً لها فى جسده
!!!

فلاش باك..صديقتى العزيزة تنتظرنى لنشاهد معاً آخر أفلام اميتاب باتشان..ترغمنى على ذلك..لتستجيب لى فى تأجير أفلام كلينت استوود وهاريسون فورد ورؤيتها معاً .. أقول لها قولى المأثور من عشرين عاماً..دول هنود يا بنتى..قتل وذبح ولا كأن فيه قانون فى الدنيا

تبهت الذاكرة ويتضاءل "كولى" و"الابن الضائع" بجوار الواقع الأليم.. وتجعلنى السينما أخيراً أصدق الواقع..وهو وضع معكوس بكل تأكيد، وتمر أمام عينى مانشيتات حديثة لسقوط امبراطورية عزت حنفى ،وتلك الحرب التى اشتعلت فى معقله حتى تمكنت الشرطة من محاصرته والقبض عليه ، لابد أنه صرخ مثلما فعل أحمد السقا قبيل سقوطه : مافيش حكومة.. أنا الحكــــــــومــــة
وأعترف أن الخبر وقتها بهذه الصورة كان مجرد "خبر" على ورق ..وحدث..لا يتمكن خيالى المريض رغم تنشيطه هندياً وهوليودياً منذ القدم على استيعاب حدوثه
تماماً..كحديث الناس فى البرنامج .. إنه برنامج.. كلام ابن عم حديث

جعلنى الفيلم أترجم كل هذا وأراه كصورة حقيقية قابلة الحدوث، رائع هو الفن السابع.. تركت عينى تحيا مشاهد حلوة الصورة رغم سواد المعنى..حقول القصب الخضراء تحيط بحقول الأفيون الذى يزرع كمحصول استراتيجى
!!!
الأطفال يهربون من المدرسة لينالوا يوميتهم من زراعة الأفيون
ويأتى الكبير ليقول للطفل : اذهب مدرستك..ويوميتك شغالة.. وتعال يوم الجمعة ازرع أفيون
قمة التناقض
!!!
ويسألونك عن الكبير..الكبير هو الذى يحكم ويأمر فيطاع.. هو الذى لا تنكسر له كلمة ..ويقسم الأرزاق.. وخالد فى كرسيه طالما هو ممسك بقوته وهيلمانه ورجاله وجبروته ووريثه
الكبير هو الأب الذى علم ولده فى أحسن مدارس.. ومنحه زمام الحكم فى حياته ليسير أمور الرعية.. ويقول له الابن فى لحظة ما قبل الانغماس فى الحكم: يمكنك أن تحج و تتوب ونبنى أكبر جامع..فيرد عليه الأب بحكمته: فاكر الكلام دة هيخيل على ربنا

ولتكتمل بشاعة الصورة..يأتى ضابط الشرطة.. المتواطىء على مر الأجيال بخدماته التى يقدمها لكبير العصابة والتى لا يمكنك تسميتها عصابة.. إنها كيان متماسك له قانونه الخاص"عليك العودة بذاكرتك لأفلام الأب الروحى والمافيا ومعنى كلمة العائلة التى كانت الكلمة المقدسة به"..يأتى الضابط.. فى صورة صانع الوحش.. ولاعب الماريونيت.. ولكنه أيضاً من ينال منه تلك القضايا التى تجعل سجلاته عامرة بالانجازات..أحراز مخدرات ورجال مسجلين يضحى بهم الكبير ويتكفل بأسرهم ويودعهم كأنهم فدائيين يقدمون أرواحهم ..فردا فى مقابل حياة الجميع
!!!
أما الروح المسيطرة على الحياة هناك فهى رخص الروح نفسها.. عصبية عائلية وتصفية جسدية لمن يخالفك تجعل من "الكتل" أمراً معتاداَ كــ هش الذباب
مترادفات عديدة تم تنسيقها بعناية ما بين ثأر و قبلية وفساد وشريعة غاب مطبقة بحذافيرها فالبقاء للأقوى..وعرض متفرد لعقلية هؤلاء البشر الذين ابتعدوا جغرافيا واجتماعياً عن بؤرة الأحداث واهتمام الحكومات المتتالية فسنوا قوانينهم الخاصة ..وجوه سمراء لامعة العيون كأنهم نمور..حتى وإن طالتهم المدنية أو طالوها بسفر فهم يحملون بداخلهم أعرافهم

روعة الفيلم تقنياً وفنياً وتوظيفه لمشاهد العنف فى مكانها الصحيح " كانت كل مشاهد الفيلم عنفاً وقتلاً فى مكانه الصحيح" ..روعته يمكننى أن أضيف إليها تلك الخدمة "التى لا تغتفر"التى أسداها لى :ـ

لقد جعلنى للأسف أرى الواقــع الأليــم