أعقاب السجائر فى المطفأة الكريستال .. الأكواب الفارغة .. رائحة العرق والرغبة .. وزجاجة الخمر التي أكره وجودها هنا .. جميعاً ينبئوننى بكل شىء.. ينبئوننى كيف قضى ليلته.. لا أعلم هل أتقدم فى خطواتى وأدخل إلى بيتى أم أتراجع وحسب
لعلها رحلت .. همست لنفسى.. ولعلها لم ترحل بعد .. لعلها بداخله هناك حيث يجب أن أكون.. اخترت التراجع المتخاذل وأغلقت الباب.. وذهبت
***
مضى الوقت بطيئاً وأنا أقطعه فى تدخين سيجارة تلو أخرى أحرق بها ذاتى .. مرأى الدخان المنبعث منى يؤكد لى أننى أحترق.. السيارة ترقد فى الممر الجانبى والبواب يتأملنى من بعيد وهو على دكته الخشبية متصنعاً النوم
لم يكن لدى ما أفعله غير ممارسة فعل الحرق.. انتزعت إحدى شعيراتى البنية وأحرقتها معى.. انتظاره حتى يفرغ من خيانتى أمر مرهق..لكن مواجهته أمر أكثر إرهاقاً .. اعتدت هذا الفعل لسبب ..بل مائة .. أو ألف سبب لا أذكرهم الآن ..لكن ليس من بينهم أنى جبانة .. فى كل الأحوال لم يكن من مكان يضمنى الآن فى ساعات الصباح الباكر غير هذا الممر .. وسيارتى
***
أقسم انى ما أشعلت تلك السيجارة إلا للإحساس بأنى أملك القدرة على الفعل
رأيت إحداهن تغادر البناية .. أعرف أنها هى .. أعرفهن منذ النظرة الأولى كما يعرفهن الرجال .. أعرف كيف يرتدين ملابسهن ..وكيف يسرن .. وأصبحت أفهم تصرفات إحداهن وهى سائرة فى طريقها تجاورها سيارة محاولة إستيقافها .. إنهما يتجادلان ..ليس فى كيفية الفعل فالفعل معروفة خطواته .. ولكن جدالهما فى الرقم .. إنه الرقم ودوماً الرقم .. ترى كم أخذت منه هذه العاهرة ؟ .. لعله لا يدرى .. سأمنحه فرصة للملمة نفسه قبل أن أصعد .. فقط يزعجنى مرورى أمام البواب الذى أعلم أنه يعلم كل شىء
عندما أصعد سأجده يستحم .. أو ربما يجلس مسترخياً أمام التليفزيون .. سأشم عطرها الردىء فى كل زاوية .. وسأعثر على شعيراتها الصفراء فوق ملاءات سريرى .. سأنظف هذا كله وسأعطر البيت بعطرى أنا .. وسأحرق شعيراتها الصفراء على شعلة الموقد فى سعادة كما أفعل دوماً
آه .. ماذا سأفعل أيضاً
سأنام وأنا لا أستمع لأنفاسه بجوارى .. سأنام فى الحجرة الأخرى لأعلنه أنى غاضبة لسبب ما لا أدريه.. القيادة منذ الفجر أرهقتنى كثيراً
***
أتوق للأسكندرية..معه.. لم يكن ذهابى بمفردى لذلك المؤتمر إلا نوعاً من التعذيب وهو يتملص منى كقطرة الزئبق.. أدرك كل شىء .. أعد حقيبتى أمامه .. زياً بعد زى.. وأسأله عما أرتديه فى اليوم الختامى فيشير على بأن أشترى شيئاً جديداً ويلقى إلى بحفنة مال.. يزداد الوجع .. فهو يلقى بمثلها إلى غانياته .. هل يغير صك زواجنا من الأمر شىء
***
أرتمى على المقعد وأربط حزام الأمان .. سأذهب .. اللعنة عليك وعلى كل شىء.. تهتز المرآة أمامى فأمسك بها جيداً.. ألمح أنفى .. ذكر أنه رومانى ذات مرة .. متى ذكر هذا
عندما جلسنا على ذلك المقعد الحجرى متلاصقين .. أمسك عنى تلك الوردة التى أهداها لى فى أول النهار.. ذبلت المسكينة بعد طول تجوالنا فى كل ناحية كالمجانين .. استراحت رأسى على كتفه ولم تزحزحها تعليقات المارة الساخرة من انتمائى له
يهمس لى : الإسكندرية هذا اليوم أجمل ألف مرة .. كأنى أراها لأول مرة في حياتي .. هل هذا الأنف رومانى كما يقولون
يقبّل أنفى .. يقبلنى كثيراً
اسكندرية معه كانت قبلاً بجنون قلبى فى ذلك الزمن ..ربما هى بكارة واشتعال مشاعرى .. وسذاجتى .. ربما هو حمقى
***
هل كانت قبلته فاترة
لمست شفتى ونظرت إليهما فى المرآة .. فصرخت السيارات من خلفى
لو كان فى الأمر طفل
لو أنى منحته طفلاً لربما كان الأمر غير ذلك
يمتد الطريق طويلاً أمامى بلا نهاية لا يقطعه جلسات لذاك المؤتمر .. أو مقابلات .. أو عمل أؤديه بدأب ..لا يقطعه رغبة معلنة من هذا أو محاولة خفية من ذاك .. لم أفكر بأن هناك رجالاً آخرين غيره .. إنه إخلاص متعمد أرد به على ما يفعله .. وما أدرك أنه لا يجرؤ على مصارحتى به
أنا أمه
أشعر أنى أمه التى تدرك أكاذيبه الصغيرة وتنتظر فقط ان يكف عنها
يجب أن تظل معرفة أمه عبء يحمله ويشعره بالذنب
ودوماً أنا أقود نفسى وسيارتى فى صمت لا يقطعه غير صوت موسيقى باخ.. سباستيان باخ العزيز هو من يلهينى..وأسأل نفسى تلك التى تقود ..لعله باخ.. لعله بات يكرهنى لغرابة ذوقى
ما من امرأة تسمع باخ
هل قالها مرة.. قالها مرات
كنت أعرف أننا متباعدان الآن .. صار يكره كل ما أحببناه معاً من قبل
هل هى إشارات كان لابد أن أقرأها وأحل شفرتها
لا أدرى
***
أمر بذلك البازار فى طريق العودة وأتذكر طلبه الغريب .. فأقف بالسيارة على جانب الطريق
عندما أخبرت نيرة بما قال نظرت لى قائلة : أَوَليست لديك بدلة رقص حتى الآن وأنت تجاوزتِ الثلاثين عمراً والخمس سنوات زواجاً
لعلى مخطئة .. لعل نيرة على صواب
لا أدرى لماذا أنظر لخياناته تلك بذلك الهدوء.. ربما لأنى لم ألحظ فيه قبلاً تلك الرغبات .. ربما لأنى أشعر بنقص ما .. الحق أن أكبر سبب يلح على الآن وأنا أدخل لهذا البازار هو : أننى أترفع عن كل هذا برمته.. ولكن ترفعى هذا لن يمنعنى من شراء بدلة الرقص الحمراء
***
هل أريد أن أصير عشيقته؟
هذا هو السؤال
أنا لا أريد ذلك .. حياتى معه رغم خياناته ليست على المحك .. أنا لست فى طريقى لفقدانه.. إنه يقضى شهوته وينتهى الأمر.. لذا لا معنى لأن أتبدل وأصبح عشيقة له
هل هذا عيب
لا أدرى .. جبلت على هذا .. لا يجب أن أفعل غير ما أريد .. وأنا لا يمكننى أن أرقص له كالعاهرات .. أنا كأمى
.
.
هل رأيت ماذا كانت تفعل أمك فى حجرة نومها
أضحك
أضحك حتى البكاء فأنا للحظة فقدت فهمى لنفسى واهتزت قناعاتى لأجل خائن .. هل هذا عدل
ترقد بدلة الرقص الحمراء اللامعة على المقعد المجاور تكاد تخرج لى لسانها
***
عندما أصعد سأجده نائما .. سأرتدى بدلة الرقص وأتعطر وأوقظه بقبلاتى
عندما أصعد سأجده فى الحمام سأكون غاضبة لأنه لم يأتِ كما وعدنى و لكنى سأدعه يصالحنى وسأرتدى له بدلة الرقص.. لعله سيسعد
عندما أصعد سأجده منتظراً لقدومى .. متيقظاً .. راغباً بى .. لن يهتم بغير أن يطمئن على وصولى سالمة .. ويضمنى بين ذراعيه
***
عندما صعدت
عندما صعدت وجدت امرأة أخرى ما زالت ترقد إلى جواره
امرأة لا ترتدى بدلة رقص
***
يعود الممر يحتوينى فى سيارتى .. البواب يسألنى مراراً هل سأصعد مرة أخرى .. ويسألنى .. هل البيه بالأعلى .. ويسألنى أتريدين طبيباً .. ويسألنى .. هل يوجد شىء فى حقيبة السيارة ؟
ما زلت أدخن ثانية وأنا أنظر إلى الأمام
ما زلت أراهما ينظران فى عينى
لعلى أخيراً لم اعد أنظر للأمر بذات الهدوء