حسبتها مرة أخري لكن الأرقام كما هي .. مفيش فايدة
نفس ما حدث لي في الدورة التدريبية السابقة مع اختلاف طفيف .. هل يجب أن أرفض كل كورس مهم مادام بعيد وأأنتخ .. مازالت تنقصني شجاعة القيادة في الأماكن المزدحمة .. والغير مزدحمة
التاكسي من دائري مدينة نصر حتي كورنيش المعادي لا يقبل بأقل من عشرين جنيها إن لم يزرجن طالبا خمسة وعشرين .. ومثلهم في العودة .. فلابد لي من عودة .. إذن في المتوسط 'خمسة وأربعون' جنيها
فكيف كيف كيف تم تحديد مبلغ ثابت ومحدد -تبعا لدرجتي الوظيفية وليس تبعا للمسافة- كبدل انتقال لأي دورة تدريبية .. وكيف كيف كيف يكون هذا المبلغ بأي حال من الأحوال ثمانية جنيهات في اليوم
تلك هي المسألة
سألت زوجي سؤالا بريئا : مفيش خطوط طيران داخلي بيننا وبين المعادي
سمعت كلام كتير ساعتها .. يا مرفهة باين .. يادلوعة جايز .. وكلام عن الأبراج العاجية وعن أحد أفراد عائلتي الذي هو بارم ديله .. المهم أنه ذكرني بموظفات الحكومة اللاتي رأينا إحداهن .. في معرض الكتاب وقد أتي الإسعاف لينقلها لتلد .. كانت السيدة مطبقة ورديتين وهي في التاسع من أجل كام جنيه أوفر تايم
أحسست بأشياء كثيرة .. انكمشت شوية ولكني أحسست أن مكانتي كامرأة عاملة في خطر أمام من هم أكثر شقاءا .. حمدت الله في سري كثيرا .. أنني لست موظفة حكومة يعني .. لكن هذا لم يمنعني من القول : أفهم من كدة إن مافيش خطوط طيران بيننا وبين المعادي
***
بعد اليوم الثالث .. وانقضاء الجنيه الخمسين بعد المائة الأولي .. تنازعتني في بداية يومي الرابع عوامل شتي .. لكني حسمت أمري واتجهت للواقف في كشك الجرائد أسأله : فيه ميني باص بيروح المعادي
وجاءتني إجابته مع آخرين يتطوعون بالرد : 'خمسة وأربعين' .. إنه رقم سعدي في هذه الأيام
وجاء 'خمسة وأربعين' يتهادي بعد عشر دقائق انتطار فقط .. أخضر بلون .. بلون أي حاجة خضراء
حكايتي مع خمسة وأربعين
***
دعني من سرد أحاسيسي الخاصة تجاه 'خمسة وأربعين' من مرارة وقرف وتقزز حتي وصولي في النهاية إلي العرفان له بالجميل وليكن حديثي عقلانيا خالصا
لماذا يتأخر الميني باص لأكثر من ساعة وربع بين سيارة وأخري كما فهمت من الأخوة السابقين في الإنتظار .. الإجابة : لأن كلهم أربع سيارات فقط واخدينها رايح جاي أربع وعشرين ساعة
لماذا هو علي هذه الحال من البهدلة .. الإجابة : لأنه لا وقت للصيانة فما بالك بالنظافة
طيب لماذا بعض الكراسي مقطعة الجلد ومهترئة الإسفنج .. الإجابة : رأيت شابا صغيرا يحادث زميله بينما يديه يعملان لا إراديا في فرتكة المقعد المقابل .. كان يتحدث عن بطالته
طيب لماذا يختلف سلوك البشر وتتسم ملامحهم بالتكشير والقرف من الدنيا ومافيها .. الإجابة : اكتشفت أن 'خمسة وأربعين' يمر بالدويقة والمنشية والسيدة عائشة والإمام الشافعي والبساتين و .. أجل .. وجدت مسار الميني باص يخترق المقابر ورأيت حياة كاملة تظهر ملامحها من غسيل وأطفال وخلافه وجميعها تحت لافتة 'مدفن أسرة فلان الفلاني'ه
اكتشفت أن ركوب مواصلة عامة يجعلك تتحلي بأخلاقيات كثيرة أيا كان قرفك من دنياك أو حبك لها .. فالرجال كما رأيت مارالوا يقومون لتجلس النساء .. ودفع التذكرة مازال محل عزومة بين الأصحاب .. والعجائز يعفيهم السائق منها ومن بعده مراقب الخط .. اكتشفت ان الخصوصية ليست فقط مجروحة لكنها منتهكة نتيجة للتقارب الجسدي بين الناس وبعض رغم محاولاتهم الحفاظ عليها .. اكتشفت ضياع المقاييس فرغم وقوف البعض في الممر يصعد أحدهم مناديا رفاقه : ياللا دة رايق ! .. اكتشفت أن من العادي أن تضع إحداهن حقيبتها علي حجر أي جالس فيكفي أنها تتماسك كي لا تقع .. اكتشفت أن الأطفال يكبرون قبل الأوان فأحدهم-في سن ابني- يجري بمحاذاة 'خمسة وأربعين' ليوقفه لوالدته التي تحمل طفلا وتجر آخر .. اكتشفت أن طلبة الجامعة مازالوا هم مصدر البهجة في أي مكان يحلون به .. اكتشفت أنك لتعرف بعضا من حقائق الحياة في بلدنا لازم تركب مواصلة عامة
***
حسبتها مرة أخري .. فوجدت أن 'خمسة وأربعين' علمني الكثير والكثير
ملحوظة : تمت كتابة هذا البوست من داخل 'خمسة وأربعين' في طريق العودة الطويل
!!