في ليلة أكثر ازرقاقاً من هذه الليلة وبينما كنت جالسة في أمان الله أحتسي الشاي الأخضر بالنعناع وأمسك بالموبايل في يدي كالمعتاد.. أتصفح ببراءة متناهية وفي نفس الوقت -كالمعتاد أيضاً- أحسب كم تبقى لي من ميجات لهذا اليوم وهي حسبة يومية أبدأها مبكرا كل مساء لأفاضل بين ما أريد تصفحه والتعليق عليه وعدد الميجات وعدد الساعات .. وهو أمر يتطلب دقة وحسن اختيار ودماغ متيقظة لأهمية الاولويات..وهي مفاضلة منحتني عبر امتداد السنوات كفاءة محاسب ودقة طبيب وذكاء مهندس وليونة "مفاوض".. إنه أمر لا يعرفه اولئك " الدي اس اليون " الذين –واللهم لا حسد بالمرة- في النعيم يرفلون
ثم وإذ فجأةً ألمح بطرف عيني اشارة غريبة على شاشة الموبايل .. وعندما تقصيتها وجدتها وياللعجب وايرلس سيجنال ووجدت امامها لفظة : آفيلابل !! وعندما ضغطت عليها إذا بها : كونكتد !! وهنا كان توجهي مباشرة الى المتصفح الأصلي للموبايل ذو الإمكانيات الخاصة والذي أبتعد عنه لأنه يحمل الصفحات بافتراء زوجة أب .. ويحمل اشتراكي اليومي ثلاثين ضعفا عند استخدامه.. وكتبت فيه "جوجل" فجائني جوجل سريعا واضحا مصورا ملونا في نسخته الكلاسيكية المفضلة وليست نسخة الموبايل المختصرة بإخلال وهنا اهتز الموبايل في يدي - كدت أبكي من فرط التأثر - .. فكتبت عنوان "طيارة ورق" فجائني بلوجي زاهياً .. وانتقلت كعصفور شارد تائه من هنا إلى هناك ثم
!!!!ا
ثم أغلقت المتصفح فجأة وقد أفقت لنفسي وكأنها لدغة عقرب وأصابتني..شعور فظيع بأني مددت يدي في جيب أحدهم وأخذت بضعة جنيهات.. فهذا الوايرلس خاص بـ "دي اس ال" الجيران .. لقد تركوه مفتوحاً .. اذن فهو ليس حقي .. فقد اعتدت الدفع مقابل كل بايت.. وكنت دوماً اؤكد لنفسي أنها سنة الحياة وأن ما من شيء في الحياة دون مقابل الخ
وظللت اهز رأسي وأهتف : لست أنا التي تفعل هذه الفعلة الشنعاء.. ما أنا بلصة
وجاء الشيطان الرجيم.. ذلك الموسوس الذي تعرفونه جميعا بكل تأكيد ليوسوس في أذني الوسطى : ومن أدراك أنه حرام.. اسألي شيخاً وتحري قبل أن تضيعي على نفسك فرصة.. فقط توجهي للشيخ المناسب
ولأن الشاي الأخضر كان ثقيلاً فقد كتم على أنفاسي وجعلني أذهب هنا وهناك بأفكاري وكان السؤال : ما حكم استخدام الوايرلس كونيكشن اذا لم تكن شارته ملك لك تدفع ثمنها؟وهل يحق لك الانتفاع بها ان كان مالكها تاركا لها سداحا مداحا عبر الأثير؟
فزعت قليلا عندما تخيلت أني اتصل لأسأل هذا السؤال في برنامج "اسألوا يرحمكم الله" على قناة "البر والإحسان" وتخيلت الشيخ وهو يجيبني بأنني آثمة ويجب علي مسح ما تصفحته من ذاكرتي وما داونلودته من تليفوني إن كنت أثمت بداونلدة أي شيء لأن التصفح ليس كالداونلود كما يعلم الجميع ..وأفاض مذكرا إياي بألا أعاود الكرة أبداً بتاتاً وأعلنها توبة نصوحة
وذهب خيالي إلى أبعد قليلاً عندما استقبل البرنامج مداخلة من الأخت "أم صالح" لتلعن على الملأ أمثالي من اللبلابيين الذين يتصفحون على قفا دافعي الاشتراك الأبرياء البسطاء الغافلين
ثم مداخلة أخرى تطالب بتبصيري بوجوب تصفحي بمحرم أرشد مني لينبهني إلى الزلات وأولها سرقة الحقوق والميجات حيث أني كامرأة ناقصة عقل لم استطع وحدي مقاومة مثل هذا الفعل المشين.. وان من تصفح بلاشاً قادر على سرقة البنك التجاري الدولي المركزي العالمي
ثم حدث أن ذهبت ذاهلة في غيبوبة قصيرة لأصحو صباحاً على جريدة " الجرسة" المستقلة وقد نشرت سؤالي متبوعا بتفاصيل الإجابة السابقة ومداخلات الأخوة تلاها رأي المحرر الذي تساءل عن دور وزارة "الانترنت" في مراقبة الفضاء وأين رقابتها على الموجات السابحة هنا وهناك
وتوالت ردود الفعل على صفحات الجريدة التي خصصت صفحة يومية لتلقي تفاعلات وآراء القراء لتصل - على حد قولها - إلى وجود قانون وتشريع ملزم
فبادر البعض أولاً إلى المطالبة بتشريع يلزم كل صاحب إشارة بتشفيرها والا تعرض للمساءلة القانونية ورد عليهم آخرون بأن هذا شبه مستحيل لأن البعض يغفل ذلك
بينما ذهب الكثيرون بمطالبة وزارة "الاستيراد" بالتوقف عن استيراد اجهزة المحمول واللابتوب اللاقطة لإشارات الشبكات وحظر تداولها وجمع ما يوجد منها في أيدي الأفراد لخطورتها على الأمن الاقتصادي للشركات العاملة في مجال البث وللحفاظ على اخلاقيات البشر الذين لا يعرفون الصح من الخطأ ولمزاولة إحدى مهام الدولة العليا وهي فرض الوصاية على أدمغتهم وتصرفاتهم اللامسئولة
وطالب البعض بحظر استخدام الانترنت ذلك اللعنة الموبوءة وماخور الفساد وتحريمه تماماً وقد رد عليهم المحرر بنفسه بملف صوتي يمكن تخمين محتواه
ودعا متعقلون آخرون شيوخ الأزهر الأجلاء لإصدار فتوى بتوحيد طريقة الاتصال بالانترنت عبر التليفون فقط أي" دايل أب" لأنها أكثر الطرق أماناً على المجتمع وسهلة في الجباية والمراقبة على حد سواء وقد تلقت الجريدة شتائم لا حصر لها من الشركات الخاصة ذات البيزنس في هذا المجال وقد عرضت الجريدة نموذجا لهذه الشتائم
وقد أدت كل هذه الجلبة لتمرير قانون في مجلس الشعب في خلال يومين اثنين يقضي بتأميم الأجهزة المذكورة والتوقف عن استخدام اللواقط نهائياً
وبعدها بعدة أيام دق جرس الباب لأجد أمامي مندوب العدالة الاقتصادية ماداً يده مطالباً إياي باعطائه موبايلي اللاقط للإشارة فأعطيته له كسيفة البال مكسورة الخاطر
.
.
.
وبعد ذلك بعدة أيام نشرت نفس الجريدة المستقلة أنباء عن أن رجل الأعمال المعروف علان العلاني - وقد جهّلت اسمه بحرفين – قد فاز بأول عملية تصديرية للبلاد منذ سنوات إلى دولة افريقية شقيقة وقد ربح من ورائها المليارات.. وأن الجريدة كمنبر حر تتساءل كيف ولماذا؟ وتتسائل عن دور وزارة " تنظيم السرقات" في هذه الفضيحة التي أخلت بموازين العدل بين كبراء المفسدين وأوغرت صدورهم على بعض .. وقررت الجريدة تخصيص صفحة لآراء القراء في المذكور وعملته الكحلي وتساءلت من وراءه وهل لمجرد الرغبة في التصدير نترك الباب مفتوحا للخبطة شئون الفساد والإفساد .. وطبعا لا يخفى على ألمعيتكم ان الصفقة كانت لتصدير أجهزة مستعملة لاقطة للإشارات
من أجل كل ما كان سيحدث ولا أظنه أبداً أبداً ببعيد قمت ذاهلة من غيبوبتي القصيرة وأغلقت الشارة والصفحة والموبايل وأنا أستعيذ بالله من الشيطان الرجيم .. و أعلنها الآن عالية مدوية على الملأ .. أنا أدفع كما تريدون وكما تقرر شركاتكم المصون .. ولست لبلابة ولن أكون.. فأنتم اللباليب اللهاليب لو تعلمون