photo copy rights to:Brad Bradley
شجرة قديمة مائل جذعها تقف كحارس عملاق قرب الباب العتيق .. ذابلة أوراقها الخضراء ومتهدلة بينما جذعها قد صار أملسا فاقد للونه الأصيل من كثرة استناد العابرين عليه.. الشجرة كانت تطرح ثمار التوت البيضاء وكانت يوما ما رائعة الجمال .. شابة .. فتية
لم أحبها يوما.. فهي عائق أمام البيت وكنت اتسائل في طفولتي هل زرعها والدي وبنى الدار الواسعة بعد ذلك؟ أم أنه بنى البيت ورمى شتلات عشوائية نبتت احداها في ذلك المكان واستطالت بسرعة فلم يقوى على انتزاعها؟
لم أحبها حتى في موسم امتلائها بثمار التوت الشهية ولعلها أيضا لم تحبني .. فقد قذفت بي أرضا وأنا بعد في العاشرة عندما تسلقتها راغبة في ثمارها الناضجة.. لعلي منذ ذلك الحين توقفت عن التطلع لأعلى وصار موقع عيني دوما إلى الأرض .. إلى حيث سقطت
بيتنا الذي أخصه بالحديث في مكان ليس بقرية.. رغم إمكانية اعتباره بيت ريفي .. وهو مكان بعيد عن المدنية كذلك .. فبيتنا على شاطئ ترعة على جانبيها طريق شبه ممهد.. وأعمدة إنارة صفراء الإضاءة معتمة .. بيتنا من طابقين بنوافذ صغيرة عالية وبلا شرفات .. وراءه أرض نزرعها أشجار فاكهة أكبر من أبي عمرا فقد اشترى البيت بأشجاره قديما.. وحوضا بصنبور صدئ من الأسمنت بناه أبي لأمر أجهله .. يحدثني أن الصنبور كان طلمبة مياه في الماضي.. أكره الماء المنساب من الصنبور الصدئ ولعله يكرهني .. فقد نالني منه سيل يوم اجتمعوا لإصلاحه
هذا البيت كان عقدتي رغم أنه لم يكن يحتوينا إلا بأيام الاجازات .. كنت أخشاه .. أخشى سقفه العالي وحجراته الضيقة ومدخله الواسع.. أخشى الذباب الذي كان يحاصرني عصرا والناموس الذي كان يمنعني ليلا من مراقبة النجوم.. ونقيق الضفادع حول الترعة البائسة السوداء.. أكره ازدواجيته وتيهه ..وصوت صرصار الحقل الذي يضج في الليل الصامت الثقيل
كان أبي بهذا البيت يود إقامة بيت ريفي كالذي نشأ فيه.. فنتج المسخ السابق.. كان يود أن يعود فلاحاً لكن المدنية غزت المكان فقضت على أحلامه..أما أنا فقد كنت لا أرى فيه إلا سجناً.. أرى فيه عزلة لا مبرر لها..وأستغرب صوت قنوات التليفزيون تصدح في ليله الطويل ..أحسها دخيلة لا معنى لها.. وأشعر بغرابة المياه الساخنة ..أنظر لها فتطالع عيني صورة حوض المياه الأسمنتي القميء في الخارج
تمر ذكرى هذا البيت كلما وقعت في مأزق "البين بين" ..كل الأشياء على هذه الشاكلة تزعجني.. كل الأشياء أحبها صريحة واضحة .. حتى لحظة الغروب التي طالما صادفتني في طريق السفر تبدو لي هوة سحيقة من البين بين.. وتصيبني باكتئاب لونها الرمادي الباعث على الصراخ
هذه الحالة تحيلني لكائن ساكن صامت حتى أستبينها وتتضح لي الأمور .. لا بأس عندي من الظلمة.. لا بأس عندي من إعلان فشل .. المهم ألا أتأرجح بين أمرين لا أحدد هويتهما وتضيع هويتي بينهما كهوية هذه البيت الذي آل إلى زوال