تتسارع الأحداث بشكل لا يتسع لاحتوائه ذهن مشغول أصلاً بمتاعب حياة لا تنتهي ولكن لأن الحياة نفسها تلخصت من حولي في السياسة فلا حديث إلا عنها ولا سماع غيرها ولا قراءة ولا حوار سواها فقد اتسع الذهن وأصبح يحمل أكثر مما يحتمل فلا يجد راحته أحيانا إلا بالإنفصال الإرادي عن مجريات الحياة.. لكنه في أوقات عمله يُفكر
أجل الذهن يفكر فالأذهان شيمتها التفكير بالطبع
ولكن هذا ليس دليلاً على الوجود
!!
رينيه ديكارت-ذلك الذي قال قولته المشهورة "أنا أفكر إذن أنا موجود" رجل عارضه ونقض قولته الفلاسفة التالين له بغير غضاضة لأنهم فكروا.. ووصلوا إلى أنه استدل على وجوده بالتفكير الذي لا يصح أن يتم بغير أن يكون وجوده مُثبتاً من قبل.. إذن فهو قد وصل
إلى النتيجة معتمداً على ثبوت وجودها في الاستدلال
!!
إذن هناك من قال أن التفكير ليس دليلاً على الوجود: إنهم من نقضوا ديكارت
لكن هناك أيضاً على الجانب الآخر من كان حَسِن الظن بنية ديكارت ورأى في قولته شعاراً جميلاً يعظّم من قيمة التفكير.. هؤلاء هم من يفكرون بسطحية شديدة ويأخذون من الكلمات منطوقها وهذا لا يصح في عالم الفلسفة والمتفلسفين
!!
لذا يجب علينا أن نبتعد عن هذا التفسير الضحل ونغوص مع آخرين رأوا في قولة الرجل أنها إيضاح لمنهجه الفكري الذي لا يفعل غير التجرد التام من كل ما قاله السابقون من فلاسفة وعلماء والإعتماد على نفسه كديكارت في الاستدلال
من كل ما سبق يتضح لنا أن التفكير ليس حتماً مرادفاً للوجود لأنك خُلِقت مُفكراً بطبيعتك فصحة العبارة قد تكون
انت تفكر لأنك موجود
أو قد تكون.. أنت تفكر معتمداً على دماغك وحدك دون مرجعيات سابقة إذن أنت موجود
أو قد تكون.. كما يقول البعض .. أنت تفكر إذن أنت مجنون
مجنون لأنك تفكر في حيز يفكر فيه الناس لأنهم كانوا معصوبي الرؤوس لسنين طويلة ثم انتُزِعَت العُصابة وانطلقت الأدمغة كأفراس جامحة في سباقات فكرية غير محدودة الطول
إنهم يركضون فرحين بنعمة التفكير أياً كانت دلالتها وأياً كان اتجاهها
يقولون أن بعض الناس وقت الجراحات الكُبرى تكاد الروح فيهم تنفصل عن الجسد-تكاد.. ويسمون فوق وجودهم المادي القليل ويرون بعين واعية للحظات أموراً خافية.. وأكاد أشبّه هذا الأمر بتعبير اخترعته وهو" الرؤية العُلوية" تلك التي نسمو فيها فوق الواقع ونبتعد عنه بقدر قليل يسمح لنا برؤية كاملة.. ما أشبه ذلك بقول أنصار ديكارت أنه تجرد مما يقيده من أقوال الأقدمين وانطلق بفكره لآفاق جديدة
كثيرون منّا يصلون لتلك اللحظة ويفهمونها وكثيرون لا يفعلون ويظلون أسيري قضبان التفكير المسبّقة.. من تُصيبهم نعمة الرؤية العلوية يهدأ بالهم كثيراً لأنهم قد يرون أموراً أجمل مما يراه المحدقون في الحقائق والكلمات المحفوظة بتفكير جامد لا يدل على وجودهم بقدر ما يدل على أنهم فقط.. يفكرون
.......
عندما أفكر بأني أفكر أكثر مما يجب لا اتناول مُهدئاً .. فأنا موجودة .. وبلدي موجودة وستظل .. ودوامات التفكير التي تأخذنا هنا وهناك لنحلل وننقب ونتخيل ونحلم ونعترض ليست مجرد دلائل وجود.. بل أظنها كما أكد أنصار ديكارت : أنها دليل على أننا نبذنا ما سبق ونعتمد على أنفسنا للوصول إلى حياة أجمل
أتمنى
..