Thursday, March 08, 2007

عزيزى ..اخدم نفسك بنفسك

كنت عائدة من المدرسة ووجدتها جالسة تبكى فى مدخل البيت.. نجاح.. الشخص المحورى فى البيت بالنسبة لى على الأقل، فكل ما أطلبه تلبيه، طلباتى أوامر، طلباتنا جميعاً أوامر، ولهذا أحزننى رؤيتها تبكى، وعرفت أن أمى كالعادة ادبتها بعد فعلة شنعاء وهى حرق حلة طعام، ولما سألتها لماذا لم تصعد لخالتى التى تسكن معنا بنفس البيت، ويخلو بيتها من الأولاد والطلبات، أخبرتنى أنها تحب امى كثيراً ، رغم معاملتها "الناشفة" لها وربما تحبها أكثر من خالتى الهادئة الطبع، وكانت تنتظرنى لأصعد بها "لتستسمح" أمى حتى ترضى ببقائها.. وقد كان
أما.. عايدة.. فقد كانت تكبرنى قليلاً، وجدت أمى بثيابها حصالة تمتلىء بنقود فضية كانت تسرقها منى ومن أخى، ورغم توسلاتها وبكائها استدعت أمى من حملها إلى البلد محملة بالعار
وليلى.. كانت رغم نحافتها الشديدة جداً كثيرة الاهتمام بنفسها، ولعل هذا هو ما جعلها تختفى سريعاً من حياتنا دون أن أعى السبب لصغرى
وأخيراً ومنذ وقت قريب.. كانت نزهة تسوق مع ابنة عمتى وأولادها وأولادى ،وكانت تصطحب معها خادمة صغيرة فى سن الأولاد، ترتدى ثوباً كالحاً نظيفاً، وتغطى شعرها بإيشارب غريب كانها مصابة بسرطان، لم احتمل رؤيتها، لم أحتمل نظراتها لما نشتريه للاولاد، ومراقبتها لهم يلعبون وهى جالسة بالانتظار، كان الأمر مزعجاً لأقصى حد
كان قرارنا مشتركاً أنا وزوجى بعدم اللجوء لوجود خادمة فى البيت، لأننا اشتركنا فى عدم الرغبة فى وجود غريب دائم الوجود فى البيت، لهذا استعنت بعد حين بمن تأتينى أياماً محددة فى الأسبوع ،فتاة حاصلة على معهد فنى وتسعى لإكمال تعليمها، لتحصل على وظيفة، وكانت هذه طريقتها فى تدبير مصاريف الدراسة، وكنت اعاملها كصديقة،وظلت علاقتنا محل تعجب الجميع، حتى بعد سفرها مع أسرة مصرية للخارج كانت تتصل لتسأل عنى وعن الاولاد، وأرسلت لى صديقة لها بنفس الظروف تقريباً، ومازلت امارس مع الاثنتين نوع من الصداقة الغريبة فى نظر الجميع
ليس من الرفاهية أو السفه الحديث عن الخدم فى مجتمع انقسم-أو كاد-إلى طبقتين تقريباً بعد اختفاء طبقته المتوسطة، وهاتان الطبقتان هما الطبقة العليا التى تستأجر الطبقة الدنيا بلا مواربة وذلك بعد أن تداخلت المفاهيم وتهاوت التعاريف تحت وطأة الفساد والجهل والفقر،الحديث عن تطور هذه الفئة هو حديث عن أحوال المجتمع ذاته ولكن من زاوية محددة تتيح لنا معرفة الأمراض التى أصابته، وربما كانت معرفة المرض سبباً فى محاولة العلاج-رغم تشككى-وذلك إذا تمسكنا بأمل الوصول إلى علاج، يجب الاعتراف أولاً بوجود هذه الفئة وعدم تهميشها أو تجنب الحديث عنها باعتبارها أمراً مشيناً أو غير ذى بال، فالخدم موجودون عبر الأزمان وليسوا وليدى لحظة، ولعل بداية الحديث تنقل لنا ظاهرة "الرق" التى كانت سائدة قديماً وحاربها الإسلام وأحال البشر المصنفين عبيداً وإماء إلى أحرار متساوين فى حق الحياة مع غيرهم، ولعله من الجميل أن نتفهم مجدداً ما درسناه قديماً من القواعد التى وضعها الإسلام لعتق رقاب العبيد وجعل ذلك الأمر تكفيراً عن التقاعس فى أداء بعض العبادات، ربما مر هذا الأمر علينا مرور الكرام ونحن صغار ، ندرسه ونحفظه دون فهم عميق لمحتواه العظيم
ربما اختلف فهمى، وتفردت تجربتى، لكنى أحببت تقرير ما كان وما هو كائن لمحاولة توقع ما سيكون
من خلال الحكايات المختلفة من أمى عن جدتى عن امها وكذلك الحال فى عائلة أبى- وهما عائلتان لهما أصول ريفية-تولدت لدى قناعة بأن هذه العائلات ومثيلاتها-فى فترة ماقبل الثورة-كانت تستعين على اداء الاعمال المنزلية خصوصاً بما كان يشبه العبيد والإماء وأكاد أجزم بذلك فى ظل أسماء معينة تحاكى بها الأقارب الذين عاصروهم لاجيال التالية، كان الخدم فى هذه الفترة يهبون انفسهم تماماً للعائلة مجردين من كل طموح شخصى، يحيون فقط لممارسة العمل مقابل الكساء والغذاء والإقامة فى بيت العائلة الكبير والانتماء له بصورة أو بأخرى، ولعل هذه الصورة على بشاعتها لم تكن تُمارَس بأى نوع من الإجبار، بل كانوا يحتمون بالعائلة من نوائب الفقر المدقع لكل من كان " لا يملك" فمجرد الحياة فى كنف رب العائلة كان احتماءاً بسلطته وماله وعلمه، فقد كانت العائلات تضم فيما بينها العمدة والضابط والمهندس والطبيب، وهو ما كان متاحاً الوصول اليه لذوى الأملاك فقط
ومع حلقة التطور المستمرة ،وانفراط عقد العائلات على هذه الشاكلة بعد الثورة، واندثار مبدأ بيت العائلة والذى كان يضم كل الابناء والأحفاد، وبدا سعى الأبناء للعاصمة وللأقاليم المختلفة سعياً وراء تعليم أو وظيفة مرموقة، تكونت الأسر الصغيرة التى ظلت محتفظة بروابطها مع أصولها الريفية، وقد أدى ذلك لتصدير الخدم لبيوت هذه الأسر، فاندمجوا مع حياة المدينة وتعرفوا على حاجاتهم الشخصية، وبدأوا فى الزواج من أقرانهم والاستقلال وربما عاد بعضهم بعد حين مالكاً لقطعة أرض صغيرة
ومن هذه النوعية كانت "نجاح" تلك الصعيدية الشديدة السمرة التى استوطنت مع أسرتها بلدة أمى، ولترسلها العائلة الى بيت خالى الأكبر ومنه إلى الأصغر وإلى بيت أمى وخالتى، ولهذا كان لنجاح دور هام ومحورى فى تنشئة جيل كامل من عائلتنا، وكانت نهاية حياتها العملية فى بيتنا ، فقد قام أبى بتزويجها من حارس بيتنا الريفى الصغير، وبعد قليل استقلا بقطعة أرض مجاورة شيدا عليها بيتاً وأنجبا البنين والبنات، وتوتة توتة
نماذج أخرى مثل ليلى وعايدة وذوق ،وكن خادمات مقيمات ترسلهن العائلة لأمى عند غياب نجاح فى بيت آخر، وكن يقمن بجنى القطن فى موسمه ولكن كانت مهنة الخادمة أكثر ربحاً لذويهم ، وكان العمل نفسه أقل وطأة من العمل المرهق فى الأرض،تلك النماذج بالطبع افتقرت لأى تعليم واى ميزة غير القدرة الكبيرة على العمل بلا كلل
وبعيداً عن أسرتى، ظهرت الخادمة الآسيوية ، قادمة من الخليج مع العائدين المغتربين، لتقدم نموذجاً آخر للخدم غريب فى طباعه عنا، وأظنه لم يتعامل معه من مجتمعنا غير الصفوة التى تهوى المظاهر ، ونافسهن بالطبع خادمات مصريات من خلال مكاتب تخديم، قادمات من الريف أو المدينة، لكنهن على وعى أكبر ومتطلبات حياتية اكثر، وكانت أجورهن تتناسب مع الطبقة العليا والجزء الاعلى من الطبقة المتوسطة، واعتمدت المرأة العاملة ومنهن أمى على بقايا ما تصدره لها العائلة من خادمات، وعندما انقطع المدد، اتجهت إلى نموذج المراة المعيلة، ارملة أو مطلقة أو زوجة حارس العمارة، لتقوم بأعمال المنزل لساعات محدودة
والآن عندما أصبحت التورتة تحوى من الكريمة أكثر كثيراً من الكيك نفسه، صارت متطلبات "الكريمة" عفواً -صفوة المجتمع مختلفة تماماً عن الماضى، وصار الأمر تخصصياً لدرجة كبيرة، وأصبح الخدم عادة من حملة المؤهلات العليا فلم يعد يستنكف البسطاء من العمل كمديرات منزل، أو مربيات أطفال او حتى خادمات عاديات مقيمات، وأصبحت بواقى الطبقة المتوسطة تخدم نفسها بنفسها، وجحا أولى بلحم توره
رغم كل شىء أظننا عدنا لنقطة البداية، وجائنى إحساس بأن المجتمع كله قد وضع فى صندوق وتم هزه فى كل الاتجاهات لتخرج النتيجة العبثية وهى التداخل الغريب بين طبقات المجتمع، وتمت العودة لنقطة البدء" إقطاع وفقراء" مع الاعتراف بكل المستحدثات التى جدت، فما عاد الإقطاعى الجديد حامياً وكريماً، بل هو فى أغلب الأحوال نتاج فساد، ولم يعد الفقير الجديد جاهلاً صامتاً واهباً نفسه ، بل متعلماً مجرداً من الطموح الذى لوّح له به علمه فى يوم ما، وواهباً نفسه أيضاً، بكل ألم