Wednesday, March 28, 2007

هذا ما كان منى



ولما كانت السنة التاسعة..كنت فى غفلة شديدة.. لا أحمل هماً ولا أعرف من الحياة إلا وجهها اللاهى.. اندفع صاخباً راكضاً إذا ما حان وقت اللهو وهو يحين عندى كل وقت.. يدفعوننى دفعاً للمطالعة والسكون.. أنام غصباً لئلا أترك لعبتى.. وأصحو قسراً لأسارع إلى مدرستى.. هذا ما كان منى
*********
ولما كانت السنة التاسعة بعد العشرة الأولى.. كنت أقل غفلة وأكثر وعياً وأشد طيشاً.. كنت آملاً حالماً هانئاً حتى لو كانت كل المفردات من حولى يائسة.. أخطو متعجلاً رجولتى.. تعجبنى خشونة صوتى.. فكنت أتعمد الصياح.. يروقنى شاربى.. وتروقنى لحيتى النابتة بهوادة.. تمرست حينها على حب الاختلاف.. وأتقنته.. حتى أرهقت جميع من حولى.. وتطلعت لكل أنثى بنظرة مختلفة أوقن فى قرارة نفسى بعدم براءتها.. وهذا أيضاً ما كان منى
*********
ولما كانت السنة التاسعة بعد العشرين.. بدأ يتلبسنى شيطان التوجس.. وبدأت ألاحق ما مضى منى بذاكرة الحساب.. بدأت أشعر أنى آخذ طريقى صاعداً لقمة تل.. ناظراً لما خلفى.. ومقيّماً.. ونادماً فى بعض الأحيان.. ومتطلعاً لعامى القادم بشىء من الحسرة.. أظننى أسلمت نفسى لتيارات العمل تأخذنى فى كل اتجاه.. طامحاً فى الكثير.. وآملاً فى الكثير.. ومُحققاً للكثير.. ورابضاً خلف نفسى منتظراً الرقم: ثلاثين بكثير من القلق.. هذا ما كان منى
**********
ولما كانت السنة التاسعة بعد الثلاثين.. كنت أظن أننى اعتدت الرقم.. وأنه سيظل مقترناً بى زمناً طويلاً.. لكنه يكاد يسلمنى لما بعده بلا تمهُل.. أرى أننى قد أصبحت بوضوح على قمة التل.. ولا معنى للبقاء والتشبث.. وأنى لا محالة هابط.. مدفوعاً بشعور بانحناء داخلى.. وكهولة خارجية..صارت لحيتى أكثر خشونة.. وبياض الشعر علامة فارقة على اختلافى.. أجزم أننى صرت أكثر حزماً.. وتروّى.. وأشعر بخطواتى أكثر ثباتاً على الأرض كأنى أتشبث بالخطوة وأتمهل التالية.. أتوق حيناً لبعض الطيش.. وتمنعنى حدودى التى رسمتها بعناية.. وهذا ما كان منى
***********
ولما كانت السنة التاسعة بعد الأربعين.. أشعر أنى ما زلت على قمة التل.. لا أدرك أنى هبطت خطوات.. يؤازرنى ثباتى واستقرارى.. أظننى صرت قادراً على إسداء نصيحة.. وعلى إحكام سيطرتى على ما تبقى من جنوحى.. لعل تفكيرى فيما مضى منى قد تناقص كثيراً .. وعدت آملاً بل أكثر أملاً من ذى قبل.. ما زال يؤرقنى الرقم: خمسين.. لكن يبدو أنى أتقنت فن الإحصاء.. واعتدت توالى الأرقام.. وهذا ما كان منى
***********
ولما كانت السنة التاسعة بعد الخمسين.. أدرك تماماً مكانى فى الرحلة الطويلة.. فالذكريات والتجارب صار لها مكاناً كبيراً بداخلى.. يعذبنى العام التالى لأنه رسمياً سيعلن انعدام قدرتى على العمل.. وإن كنت خارج النطاق الرسمى.. لكنها تلك الانحناءة الخفيفة التى أشعر بها وحدى.. ولا يدركها الآخرون.. وذلك الألم الكامن الذى أتحاشى التفكير فيه.. إنهما يخبرانى أنهم ربما كانوا على صواب.. لعلنى أتشبث بطاقة العمل لأواجه مجهولاً يحاول أن يختصر وجودى.. وأشعر أنى استجمع جموح ذلك الشاب.. وأمل ذلك الرجل.. وتمهل ذلك الكهل.. واستعين بهم جميعاً على مواجهة ذلك المجهول.. لعلى قادر على محاربته زمناً طويلاً.. هذا ما كان منى
***********
ولما كانت السنة التاسعة بعد الستين
.
.
.
.