Saturday, May 16, 2009

الضفة الأخري

تذهب إلي غير بعيد .. إلي الضفة الأخري من النهر .. يحملها قارب قديم متشقق وتتمسك بالحبل الذي كلما أصابه البلي ضمده أحدهم بقطعة أخري .. كثيرة هي تلك العقد بطول الحبل وعرض النهر
يظن الناس علي جانب النهر أنها ساحرة .. يقصدونها شاكين آملين في حجاب فلا تقدم غير الصمت .. ذلك الصمت الموحي .. يخافونها ويقدمون لها القرابين .. قرابينهم دجاج مدبوح وخبز ساخن وملح .. تبتسم وهي تعبر بيديها عقدة بعد عقدة .. ورثت عن أمها بيتها القديم في الجوار الخصب .. وثيابها السوداء الفضفاضة .. والقرابين
تكاد تصل .. تطأ بقدمها الأرض الموحلة .. وتربط القارب وتمضي .. لا يعرفها الناس هنا كساحرة ابنة ساحرة .. بل لا يكادون يرونها .. هكذا تظن .. تأتي بالخضر علي رأسها لسيدة البيت .. وترقب الطفلة .. تلعب في سعادة بدراجة في غرفة واسعة نظيفة .. تنظر للسيدة في امتنان وتذهب
تجلس بجوار النهر منتظرة عودة القارب من الضفة الأخري .. كم تكره الضفة الأخري التي يخشاها فيها الناس .. كم تمنت لو صرخت وأخبرت الجميع أنها امرأة .. عادية
تري القارب يهتز وحيدا هناك .. لا أحد يأتي
لو أن أمها لم ترتد السواد الفضفاض والصمت عندما هبطت علي تلك القرية من المجهول حاملة اياها في لفافة مهترئة .. لما كان هذا حالها .. تعبث بعود جاف علي الأرض المتربة .. لا تعرف الكتابة .. لكنها ترسم طفلة .. طفلتها اللاهية في البيت النظيف هناك .. تذكر كيف ارتدت السواد كأمها .. وتذكر كيف لم يمنعه خوفه منها أن يجثم علي صدرها ويقبلها كاتما صراخها ويترك بداخلها شيئا صغيرا أجادت اخفائه
القارب يتحرك قادما .. تلملم ردائها لتذهب .. تطأ الأرض الموحلة .. وتتسلم الحبل البالي من فتاة تخاف القاء السلام علي الساحرات .. عندما تري كم هن جميلات هؤلاء الفتيات حاملات الكتب تفكر كثيرا .. تستحق طفلتها ألا ترتدي مثلها السواد