Sunday, June 08, 2008
كروشيه
عندما قررت شراء هذه الكمية المهولة من الخيوط القطنية السميكة لم تكن تعلم أن هذا سيجعلها محط أنظار العاملين في المحل لدرجة أن يشير أحدهم بيديه جوار وجهه إشارة تنم عن جنونها .. أغفلت الإشارة .. وأدارت ظهرها وخرجت محملة بتل من البكرات .. وإبرة وحيدة طويلة .. كانت تدرك دوما أن هناك من لا يفهم أفعالها ويسئ تقييم جهودها بل وينعتها بالبله أحيانا
لعل هؤلاء الباعة يرونها مجنونة .. ولكن لا وقت لديها لتبرر .. يقتلها تبرير وجودها أمام الآخرين
هذا الذي تفعله توقفت عن فعله السيدات منذ زمن .. ما من إمرأة تضيع وقتها الآن في نسج الخيوط بإبرة وحيدة لتحظي قرب نهاية العمر برداء .. إنه ضرب من جنون أن تظل تحيك الخيوط بصبر أيوب .. بينما تطالعها في المحال آلاف القطع المنسوجة آليا بكل الألوان .. لن يصدق أحد أنها تفعل ذلك .. لن يصدق أحد أنها تبذل في هذا الثوب من المال ما يمكنها من شراء عشرة أثواب أو أكثر
تحمل الأكياس التي تزدحم بالخيوط وتعبر الشارع في عجالة .. تستوقف سيارة أجرة فيفاوضها السائق لأن الأكياس ستشغل حيزا أكبر .. تدفع كل ما تبقي معها حتي تصل إلي بيتها .. وهناك تفتح دولابها فيسقط منه نسيج لا نهاية له .. تناسقت ألوانه عن غير تعمد منها .. ربما هي روحها التي كانت تنسج سنينا طوال .. تلتقط آخر نقطة توقفت عندها .. تتلمسها .. فتشعر بها مبللة .. وكأن الدمع الذي سكبته حين أخفت نسيجها لم يجف بعد .. وتبدأ في معاودة فعل تعشقه .. تمرر الخيط بآخر ثقب في السطر .. وتحكم العقدة .. وتبدأ .. لعله أمر غير مفهوم لمن حولها .. مستغرب .. لكنها كانت تصر علي فعله .. كانت تريد أن تفاجئه بعد حين .. وتقول له : أنظر ماذا صنعت .. أخبرني ماذا تري بي .. كانت تتحاشي الدنيا من حولها لتنسج .. تهرب إلي غرفتها .. تدير الإبرة في الخيوط وهي تتمتم بآيات فك الكرب
طال هروبها .. وزاد ضيق الحيز الذي يحتوي خيوطها بعد ما اتسع النسيج واستطال الثوب ليصبح من أجمل ما رأت عيناها .. ولكنها تطمع في مزيد من البهاء .. تعمد إلي التواري بعيدا .. لتنسج .. لعل أيوب ذاته لم يكن بصبرها
تكررت رحلات الشراء .. واعتادت اتهاما بالجنون
وكرهت تضييع الوقت في مجادلة من لا يعي
وعندما عجزت يداها عن حمل نتاج سهرها الطويل .. حاولت ارتدائه .. حاولت .. كان بريقه يغريها .. وفخامته تأسرها .. وأناقته تخلب لبها
وعندما نجحت أخيرا .. حملت أطرافه الثقيلة بين يديها .. وتسللت إلي حيث هو يجلس في مكانه كل يوم
رأت في عينيه الدهشة .. وفي شفتيه ابتسامة لم تفهمها
لم ينطق بكلمة .. ولكنها أحست به يتلمسها عارية
أغمضت عينيها .. وتلمست ثوبها تحكمه حولها .. تتأكد من وجوده .. وتذكرت تلك الحدوتة القديمة عن الرداء السحري للسلطان
ذلك الذي لا يراه إلا المحبين
.
.
.
Posted by بثينــــــة :: 9:39 PM :: 12 Comments: ![]()
---------------------------------------