Sunday, November 02, 2008

قراءة في كتاب قديم




وكانت الرحلة طويلة وشاقة .. بدأتها وعمري خمس وثلاثين عاما .. بدأتها وأنا في معترك الحياة أختلف مع كل من حولي وأجد نفسي بلا إرادة مدفوعا لممارسة أكبر حماقة بشرية في التاريخ : السياسة
لم أكن أدري عدد الوشاة والخونة المحيطين بي .. دفعت الثمن اغترابا وبعدا عن بلدي وقاربت الإفلاس .. أنا ابن النبلاء .. أعرف أنك تفهمين يا عزيزتي ففي عينيك أقرأ عشقا بزمني وبلادي .. إيطاليا الجميلة .. وأزمنة الفرسان والنبلاء .. خمنت ذلك عندما وجدتك تبحثين عن رحلتي وتلمسين ياقة قميصي في الصورة الجانبية التي تصاحب كل ما كتب عني
عزيزتي .. لم يكن أمامي غير الهروب إلي أوراقي وأقلامي .. وبدأت رحلتي وحدي .. مررت فيها بالجحيم والعذاب وانتهيت إلي الجنة .. انتهيت لرؤية أدق .. لا يغرنك ما ستخبرك إياه أول قراءة لرحلتي .. أعيدي القراءة مرة ومرات حتي تصلين إلي تلك الرؤية الأدق .. رؤيتي لأجساد تشوي في السعير وسماعي عويل الخطاة وصلوات التوبة في جبال العذاب اللانهائية .. وكيف تطهرت وحينها وقعت مغشيا علي .. كل هذا مسطور كأنه حكايا خرافية .. لكني أريدك أن تصلي إلي الرؤية الأدق
بثينة .. أتحبين إيطاليا بحق .. أحبك لحبك بلادي .. ستذهبين أعرف أنك ستذهبين إليها .. عليك أن تزوري فلورنس حيث ولدت .. وددت لو كان لي قبر هناك .. لتضعي علي قبري بضع وردات .. كم كان سيسعدني ذلك
عزيزتي .. يحدث أن نتوقف كثيرا في إحدي لحظات الحياة لنتفكر كيف هي رحلتنا إلي الآن .. وكيف هي رحلات الآخرين .. نتوقف لنصل لرؤية أدق ونجلو غشاوة عن أعيننا صنعناها بحماقاتنا الكبيرة والصغيرة علي حد سواء .. أعرف أنك ما بحثتي في مكتبتك القديمة عن سيرتي إلا لهذا .. ربما يجب عليك تعلم الإيطالية فكم أكره أن يزداد غموضي غموضا بفعل الترجمة .. سأنتظر زيارتك لفلورنس .. لا تغيبي
هكذا أخبرني دانتي وهو يربت علي كتفي عندما غفوت للحظات وسقط من يدي كتابه : الكوميديا الإلهية