ليس هناك أجمل من أن تنام علي ظهرك فوق سطح المياه فاردا ذراعيك علي اتساعهما .. ومستقبلا السماء .. ومتخيلا تلك الموجة الناعمة ستحملك إلي عالم أجمل بعيد في هذه الأيام السعيدة
كنت أفكر وأنا أتجه لقضاء 'يومين أجازة' علي الشاطئ البعيد أنه ليس هناك أجمل من أيام الربيع ونسماته العليلة وبهجته التي بدا لي أننا عرفناها زمان .. بدا لي .. فربما كانت تلك هلاوس غير حقيقية وذكريات مضروبة .. حيث كان يجمعنا بالعائلة شاطئ سعيد أو اجتماع عائلي بهيج .. أوحتي رحلة إلي أقارب بعيدين دوما يكونون من قاطني الريف وينتظرون طلتنا بسعادة وكرم بالغين .. أكيد هلاوس
فالسماء تغيرت ككل شئ .. صارت عاصفة ومزعببة بصورة أشد زعببة مما قبل .. وتأرجح الطقس بين حر وقر في تبادل عجيب
أماالبحر الساكن علي الدوام في هذه البقعة فقد صار هادرا .. والريح تأتي بما لا أشتهي .. تأتي بالرمال الصفراء لتقف في حلقي وتسد مراوحي
البحر لم يحملني إلي عالم بعيد ولا حتي قريب .. لم أجرؤ علي الاقتراب منه .. لا شئ من معالم الربيع لاح هذا العام .. لا وردة ولا نحلة ولا حتي حساسية العين .. ولا فريد سمعته يقول آدي الربيع عاد من تاني .. مالوش عين طبعا
وبعدين .. زاد الطين بلة أن سعاد كمان اختفت أغانيها :| يكون جميلا أن تأتيك دون أن تبحث عنها قائلة : لا لا لا لا لا لا لا لي لا لا لا تشك تشك تشك تشك .. فتغمض عينيك لتراها في جفونك ترقص بفستانها الأحمر إياه وتحذرك : أمال هنفرفش امتي امال ! دلوقتي وللا في سبتمبر
يا سيدتي الفاضلة من لحظات السعادة الغابرة لا دلوقتي ولا في سبتمبر .. خلاص خلصت الحدوتة .. ولفظ الفرفشة قديم جدا ولم يعد قيد الإستخدام خلاص .. أما مسألة الطقس فهي وإن كانت جلوبال لكننا نملك طقوسا خاصة بنا أكثر اختلافا وتميزا تحيل أجواءنا في الربيع إلي 'عالم آخر' بجد
في اليوم الموعود يوم ' الشم العظيم ' الدنيا ليست ربيع ولا الجو بديع ولا يحزنون .. لا شئ في أفق الحياة غير جرائد الصباح التي تفرض نفسها في يوم الأجازة فتري بأم عينيك أخبارا تسوؤك .. وتضع بجوارك ما تقنع به نفسك أن كل شئ علي ما يرام وأنك مصري حتي الثمالة : طبق من الترمس وحمص الشام والفول المملح والحلبة الخضراء لتتناوله متذكرا كتاب التاريخ الكالح ومتوهما أنك رع أو ست أو بتاح وأن حافة فراشك هي شط النيل السعيد فتفيق علي انتفاخ في أحشائك :| وتموع نفسك فيقنعك الناس من حولك بأن تحيا الطقوس لنهايتها فتضرب سمكة متعفنة حتي ذيلها وتلف بقاياها في جرائد الصباح كنوع من التنفيس .. وتلجأ للحديث مع الآخرين فتفوح رائحة البصل من أنفاسهم وأنفاسك ويصبح الجو معبئا بالمنقي من الروائح
وهكذا وككل عام سيمر المهرجان السنوي المصري لاستعراض الروائح المعروف قديما ب 'شم النسيم' .. حيث عز النسيم .. وحيث هي عادتنا التي لن نشتريها : أن نعيب زماننا والعيب فينا وما لزماننا عيب سوانا احنا وروايحنا .. ومهما عافرت يا مصري فأنت في هذا اليوم العظيم يا شامم يا مشموم