Tuesday, April 21, 2009

أحاديث الطريق




تكره كل طريق سفر يمتلئ بالأحاديث .. وكأن الألسنة ينحل لجامها فتنطلق خيلا جامحا لا توقفه انحناءات لا توقفه غير صدمة جديدة تترك علامة علي جسده
يتصيدها علي الطريق فهو لا يتغير .. ويتخير حديثه .. سائلا إياها عن رحلة الحياة : من تظنينه يمكنه في لحظات الموت أن ينظر خلفه إلي رحلة حياته ويشعر أنه كان سعيدا بالفعل
تحاول أن تدفع حصانه هو للإنطلاق فتكبح جماح لسانها قائلة : قليلون جدا علي ما أعتقد
يتفادي سيارة مجنونة ويقول وهو يدعي عشوائية الحديث : ربما كان عمك وجدتي رحمهما الله .. لقد كانا سعيدين لأنهما عاشا كما يرغبان .. وماتا راضيين علي ما أعتقد
تنظر إلي الخط الأبيض الراقد علي الأرض أمامها وترد : إنهما راحلان ولا يمكن سؤالهما .. كما أنك قد تري شخصا ما سعيدا .. تحكم علي حياته بكونها سعيدة من وجهة نظرك للسعادة .. لكن السعادة أمر نسبي يختلف من شخص لآخر
ينظر لها للحظة ويكمل : طبعا أنا أتحدث من وجهة نظري أنا وما أظنه أنا .. لكن لا أحد يختلف أن من يحيا حياته كما يريد إنسان سعيد .. السعادة هي الرضا عن الذات في المقام الأول
الرضا عن الذات .. وعن رحلة الحياة .. تقول ساهمة .. عندك كل الحق .. ولكن من يدري ! إنهما راحلان كما أخبرتك
يبتسم ويقول محاولا قيادة الحديث إلي منطقة مأهولة بالإبتسام : كنت أفكر أن هناك في عائلتينا أشخاص يمكن أن نقول عنهم كما يقول نقاد الرياضة .. حارس المرمي لم يختبر في هذه المباراة .. أشخاص أصيبوا في بداية حياتهم بمرض عضال وخرجوا مبكرين من رحلة الحياة .. خالي أظنه لم يختبر .. كان أقصي أمله أن يكون سليما ليوم واحد
تدعي الإبتسام مثله وتسأل : ولهذا ليس من المنطق أن نتسائل عمن لم يختبر
تصمت طويلا .. وتعاود الحديث خشية الإتهام بالهروب والإنزواء : لكن عمتي مثلا لم تكن سعيدة عن رحلة حياتها لحظة وفاتها .. أوقن بهذا .. رغم أنها فعلت بحياتها ما لم تفعله كثيرات
يشعل سيجارة مشتعلة سلفا وهو يجيب : هذا بالضبط ما أعنيه .. عمتك خير نموذج نتحدث عنه لقد فعلت بحياة واحدة ما لا تجرؤ كثيرات علي فعله في حيوات عدة .. السفر .. الإنفصال عن الزوج .. تحدي العائلة .. لكن ما فعلته كان لا يكسبها رضا عن حياتها .. لهذا أظن أنا أيضا أنها ماتت غير راضية
تقول : لعلها أحبطت لأن المجتمع لم يتفهمها .. هذا ما أراه .. ما ذكرته كان لابد لها من فعله وإلا تحولت لكائن تكرهه .. كان لابد أن ترضي عن نفسها
ويكمل هو : لكنها لم ترض في النهاية لأن المجتمع ترك أثره عليها وأفقدها سعادتها بنفسها وبما فعلته .. وربما أقول ربما لو أنها وائمت رغباتها مع ما يتقبله الناس لماتت أكثر سعادة
تقول وقد أعياها الحديث : إذن المسألة غير محسومة .. وأعيد قولي أن من تحسبه سعيدا راضيا قد لا يكون في داخله كذلك لأنه يوائم حياته مع ما يرضي الآخرين فيفقد جزءا من رضاه عن نفسه
فيجيب بعد نفس عميق : ولم لا نرضي بكل الأحوال عما وجدنا أنفسنا مسيرين إليه ونقنع بما يرضينا ويرضي الآخرين فنستمتع بالرضا الكامل
تجيبه : إنها مشقة أن تقنع ذاتك بفكرة التواؤم لتهرب من الفعل الذي تظن فيه رضاك عن ذاتك
فيرد : تقولين 'تظن' وهذه هي المأساة .. أن نلهث وراء شئ ما نظنه سيمنحنا الرضا الكامل بينما هو وهم .. أما الموائمة فهي أعلي درجات الرضا في رأيي
وأنت .. تسأله .. أنت راض حتي الآن عن اختياراتك وحياتك وما أنت مسير إليه
يرتد السؤال لها

ويلتقي الصمتان