منحني القدر لحظة كي ألتقط أنفاسي بينما كنت أجري لأطارد الرجل تحت ضوء خافت من شعاع فجر لا يبين.. فقد تعرقل الرجل في حجر وسقط أرضاً.. لم أنتهز الفرصة كما هي عادتي بل وقفت للحظة.. كان حري بي أن أنطلق في تلك اللحظة المشئومة كعدائي ألعاب القوى لأخطف السباق في اللحظة الأخيرة وأنتزع منه الفوز.. أو الحقيبة الجلدية السوداء التي سبق واختطفها من جانبي منذ لحظات بينما كنت جالساً على المقعد المتشقق في تلك الحديقة الخاوية منتظرا الموعد.. ولأني لم أفعل فقد اتسعت المسافة بيننا وكنت أراه شبحاً يجري كشعاع ضوء.. وعندما أحسست بسكين حاد يمزق صدري من فرط المجهود المفاجئ توقفت عن الركض.. وسقطت أرضاً
أحسست بضجيج مفاجئ حولي ولم أدر أين أنا للحظات أخرى.. وعندما برقت الأحداث في ذهني حاولت النهوض ولم أستطع.. كنت مستلقياً على أرض الحديقة الجرداء ومن حولي يمر البشر بلا مبالاة مستغربة بعد أن سطع ضوء الصباح.. توقعت أن أجدهم يتنادون لإنقاذي لكن لم يحدث.. فأغلقت عيناي لأتأكد أني خارج دوامة الكوابيس.. وأعدت فتحهما فتأكدت من الأمر وغشيتني المرارة.. ما بال الناس وقد تحولوا وحوشاً في زماننا هذا.. ألا يثيرهم مرأى رجل ملقى على ظهره يبدو عليه أنه يصارع الموت؟ الموت.. هل سأموت حقاً ككلب ضال في حديقة عامة ؟!! هل هذه نهايتي التي لم أخطط لها أبداً على هذا النحو المهين؟!!!ا
أحسست بالشق في صدري يزداد اتساعاً فمددت يدي إلى جيبي وأخرجت هاتفي الجوال لأستنجد ببشر يعرفونني.. فعلت.. وأغمضت عيني لأمد أطول كثيراً حتى شعرت بصوت محسن صارخاً منادياً إياي.. وأحسست بأياد تحملني وتمضي.. أظنني في تلك اللحظة فقدت الوعي مجددا
ـ لقد فقدت الحقيبة
كان هذا ما همست به لمحسن عندما فتحت عيناي في تلك الغرفة البيضاء.. كنت يائساً يحاصرني الفشل.. ربت الرجل على كتفي مواسياً
ـ الحمد لله أنك بخير
ـ نعم.. أنا بخير.. لكنني فقدتها.. ولا أدري ماذا فعل بها الرجل الذي سرقها.. كم الساعة الآن؟ا
ـ الساعة الآن الحادية عشرة صباحاً يا أخي.. قدر الله وما شاء فعل.. ألا تتذكر هيئة الرجل؟ا
أشحت برأسي إلى الحائط الأبيض وشعرت بالدموع تسيل على وجهي.. لقد كان رجلاً بائساً.. لعله اعتقدها مليئة بالطعام الذي لم يذقه أبداً.. لعله ظن بها مالاً أو شيئاً يبيعه يأكل بثمنه.. لقد دفعه الجوع لسرقتي.. لا شك في ذلك.. وأجبت باقتضاب
ـ لقد كان متسولاً
ضحك محسن ضحكة جوفاء و ربت على كتفي مؤازراً
ـ لا تحزن يا أخي.. يمضي المرء في طريقه وقد ظن أنه نال كل شيء وملك زمام كل شيء ولكن وكما تعلم إنها إرادة الله.. ولعل هذه الحقيبة تأخذ طريقها إلى من يستحق رغماً عن إرادتنا جميعاً.. ولعلك مسير إلى مهمة أخرى أجل وأعظم دون أن تدري.. لا تؤنب نفسك ولا تبتئس
ـ أين أنا ؟ا
ـ لقد حملتك لأقرب مستشفى.. ولحسن الحظ كان بها نفر قليل ساعدوني بمجرد أن أتيت بك.. تعلم أننا في حي بعيد
سمعنا طرقاً على الباب في هذه اللحظة ودخلت ممرضة تؤدي مهمتها في صمت.. وسمعنا طرقاً آخر ودخل رجل يرتدي أسمالاً بالية ومبتسماً ابتسامة هادئة.. فانتفضت لرؤيته وهتفت الممرضة لأستكين في موضعي.. لوح الرجل لي بالحقيبة وقال بصوت خفيض وهو يضعها على طرف الفراش: لقد راقبتك.. وأتيت بها.. لقد أغواني شيطاني لحظة لكني لست بسارق
وعندها انفجرت الحقيبة في دوي مخيف