طيارة ورق

Tuesday, August 21, 2007

ثقافة الاستغناء



كيلو البلح (بالسوس)بثمانية جنيهات و(بدون سوس) يبدأ من اتناشر جنيه.. وكيلو الزبيب (المكمكم )يبدأ من عشرة جنيهات و(الغير مكمكم )يبدأ من ستاشر جنيه.. كيلو الفول السودانى (المزنخ)ثمانية جنيه و(الغير مزنخ )يبدأ من اتناشر جنيه.. هذه هى الأصناف الشعبية التى "قد" يشتريها العامة فى شهر رمضان لزوم صناعة صينية بسبوسة أو صينية كنافة أو طبق قطايف.. وهى أطباق شهيرة لم يستقر رأى الفقهاء على حكم الاستغناء عنها .. وإن كانت "إرادة" الناس قد تستقر على ذلك لأسباب غير خافية على كل ذى عين وأنف وأذن وحنجرة ..وهى سلع -كما نرى- تتفاوت تفاوتاً كبيراً تبعاً لجودتها والتى تبدأ من درجة الصفر
أما غير ذلك من الأصناف والذى قد يؤكل لزوم التسالى عند البعض.. وقد يستخدم لصنع نفس الأطباق السابقة ولكن بدرجة جودة اعلى تؤهلها لمنافسة أطباق المحلات الفخيمة.. فكيلو الفستق يبدأ من ستين جنيه و كيلو البندق يبدأ من خمسة وأربعين جنيه وعين الجمل يبدأ من خمسين جنيه..والكاجو يبدأ من خمسة وستين جنيه ..والكيلو هنا يباع بقشره..أما المقشر فحدث ولا حرج
ولا حاجة للقول أن هذه الأسعار هى أسعار العام الماضى والتى من المتوقع أن تهب رياح شمالية جنوبية نتيجة لمنخفض اقتصادى رهيب موطنه الأصلى شوية ذمم خربانة فتؤدى إلى تحريك هذه الأسعار عن مساراتها المتصاعدة المعتادة لتقذف بها إلى عل.. عل جداً جداً

وهنا يجب علينا الخوض والبحث فى ثقافة الاستغناء.. فإن كان العقل والمنطق فى الماضى هما الدوافع المحركة لذلك .. فلنضف إليهما الآن ضيق ذات اليد لنسبة غير هينة من السكان الأصليين لهذا البلد المُصاب فى مقدراته
ثقافتنا الاستهلاكية الغير منطقية كانت محتملة فى وقت كان أقل جنوناً من وقتنا هذا.. حيث أصبح الآن من الممكن لموظف مرتبه أربعمائةجنيه فى الشهر -وهو رقم متوسط للعلم وهناك ما هو أقل بكثير- يمكن له أن يشترى حوالى ستة كيلو فستق "أو" ثمانية كيلو عين جمل "أو"عشرين كيلو بلح ويقتات عليهم لمدة شهر .. لكى يحيا عبق رمضان(!!!!) ناسياً كل متطلبات حياته الأخرى من إيجار لمسكنه-إن كان ساكناً- أو استهلاك للمياه-ان كانت متاحة وغير مقطوعة- وان يحيا فى ظلام -لو توافرت له الكهرباء بانتظام- وأن يغلق تليفونه-لو كان له نِفْس يتكلم من الأساس- وأن يتجاهل كل الوجبات الرئيسية له ولمن يعول.. وان ينسى كل الوان الشراء للاحتياجات المختلفة والتى تصبغه بصفة الآدمى.. فعليه ان يكتفى بأثماله..وأن يذهب لعمله سائراً أو زاحفاً لا فرق.. وأن يحيا ميتاً إن شئنا الدقة.. كل هذا ليسير فى قطيع البشر الذين يرون فى رمضان ياميشاً وحسب

ما أجمل أن نحيى التراث.. والعادات والتقاليد..ولكن هل نميت أنفسنا لنحييهم؟ ما أجمل أن نتذكر رمضان أيام زمان.. حيث كان هناك حد أدنى للجميع .. وحيث كان البشر يشكلون فى معظمهم طبقة وسطى تتساوى فى امكاناتها واستهلاكها وتطلعاتها..لكننا يجب أن نكتفى بالتذكر.. فقد أصبح الأكثر منه مرهقاً ..ولكى يتمكن رب لأسرة معتدلة العدد من الاستجابة لنزق ورفاهية متطلبات الحياة "العادية" و"الغير مبالغ فيها" عليه ان يكون ذا دخل لا يقل عن عدة آلاف من الجنيهات..فكم مصرى "متوسط" يحصل على راتب كهذا؟

عندما أفكر أن حياة المصريين صارت حلقات متصلة من اللهاث.. للوصول إلى ماتعده مجتمعات أخرى من البديهيات ..أشعر بأننا مضحوك علينا ..لكن ..بما انه ليس من المعقول أن نقفل الجيل كله-كما ذكر المشاغب عادل إمام- أى نغلق البلد ونجيب ضلفها ونطفش كلنا ونسمح للبُعدا يغيّرونا بشعب تانى.. فلا حل إذن إلا التعايش السلمى مع معطيات الحياة هنا ..وأول الحلول فى رأيى هو تدريس ثقافة الاستغناء ..وهى الخطوة التالية بعد تجربة شد الحزام والتى لم تنجب غير جيلاً مختنقاً محصوراً

و ثقافة الاستغناء التى أشرت لها توحى بشىء من القدرة.. وهو معنى يفتقده الكثيرون فى بلدنا.. أن تكون قادراً على فعل شىء فهو أمر يرفع من أسهمك أمام ذاتك..حتى لو كان هذا الشىء هو الاستغناء .. لقد صار العجز مرادفاً للحياة ..ولهذا وجب على الناس فى مصر المهروسة أن يمتلكوا تلك القدرة..وأن يواجهوا المد الإعلانى المكثف فى هذه الأيام المفترجة بالـتـعفـف ..لأنه لا سبيل إلا إياه

غاية ما يثير عجبى هو تلك الكميات المهولة من الياميش والتى يتم استيرادها لصالح المستهلك المصرى قبل شهر رمضان .. والتى لا أعلم على وجه الدقة هل تُباع له حقاً ..وهو الذى يمكن أن يشتريها فى حالات محددة منها أن يرهن أولاده ..أو يقترض من بنك بضمان زوجته.. او يرتشى ..مباشرة قبل الشهر الكريم ليوفر احتياجاته
وإن كان ذلك كذلك.. والناس شرفاء بالقدر الذى يسمح لهم بفضيلة"الترك"..وواعون بالقدر الذى يؤهلهم لممارسة ثقافة"الاستغناء".. فأين تذهب هذه السلع التى نراها أكواماً مكومة على الأرصفة.. وفى السوبر والهايبر ماركتات .. أين تذهب تلك الأجولة من البلح الذى يتسمى كل عام على حسب الأحداث الجارية.. ففى سنة تواجد بلح بن لادن..وأخرى بلح هيفاء.. وربما طُرح فى الأسواق هذا العام بلح حسنى عبد ربه.. هل يبيع المواطن نفسه وهى كل ما تبقى له ليشترى تمرة يشق بها جوفه؟ أم يفعل ذلك ليصنع طبق مخصوص من الخشاف المتكلف؟ أم ان التمر يتكدس للعام المُقبل حيث يُشكِل الفئة ذات"السوس" وهى الأقل سعراً ليباع للبشر الأشد فقراً وغُلباً؟
حقيقة الأمر أن من يحيا بمصر يشهد بأنها بلد المعجزات.. والمتناقضات.. فقد تجد الشحاذون هم الأغنياء.. أما الفقراء فتحسبهم أغنياء من التعفف.. وأما المال فلا يعنى الكثير أمام تكافل حادث على صعيد غير إعلامى.. وأما المرتبات والركود والعفن الاقتصادى الحالى .. فلا يوقف حياة ولا يغلق بيت.. إلا من يئس من رحمة ربه.. وشنق أوقتل أو حرق نفسه كما يحدث فى هذه الأيام المفترجة من كل عام..لكنها مستورة ..كما يقول الناس
وكم فيك يا مصر من .. متناقضات
***********************
تحديث 1
عندما أضفت الى البوست كلمة رمضانيات وظهرت لى بوستات رمضان الماضى.. وقرأتها.. قلت فى سرى سبحان مغير الأحوال
رمضان اللى فات كان فيه شىء من التفاؤل الممزوج بالتريقة فى كلامى.. السنة دى ..أسوووود
وبعدين
الناس اللى كانوا فى الردود..اختفوا..معظمهم..نور وبسبس والمزاجنجى وام العيال
وانا اللى قاعدة
:)

تحديث 2

شكراً لـ جدو الصديق الجميل على كلماته الحلوة فى حق طيارتى ..و للتنويه عن البوست فى مدونته التى أتمنى ان تظل مشرقة فى بلوجر دايما

Labels:


Posted by بثينــــــة :: 2:08 PM :: 40 Comments:

Post a Comment

---------------------------------------