علي باب المبني القديم وقفت لحظة ورفعت رأسها لتقرأ اللافتة ' مكتب مكافحة جرائم هتك النفس التابع لهيئة مراقبة الجودة النفسية - وزارة الإعداد والتمهيد و التغيير والإحصاء' .. لم تأبه للافتة كثيرا ومضت إلي الداخل وهي تتعجب لدهانات حوائط المبني من الخارج و الداخل .. وكأنه عجوز تلطخ وجهها بالمساحيق فتتكوم المساحيق تحت التجاعيد في مشهد كئيب !ه
دخلت إلي قاعة واسعة ملأي بالمكاتب .. الضجيج يصم أذنيها والبشر يتحادثون عبر مكاتبهم التي يجلس أمامها مواطنون يريدون قضاء حاجاتهم 'النفسية' وآخرون يستندون إلي الحوائط في انتظار أدوارهم .. ورائحة الطعمية تنتشر في المكان
تحاشت عامل البوفيه البهلواني الحركة بصينيته الراقصة حتي وصلت إلي حائط تستند عليه .. وقبل أن ترفع عينيها إلي السقف المتشقق لتمارس فضيلة التأمل لمحت أحد الموظفين يشير لها فاتجهت إليه
الموظف : أهلا يا مدام .. مش مدام برضه
هي : أيوة
الموظف : يا تري أقدر أسمع مشكلتك .. احنا هنا لخدمتك
هي : يا تري إنتم هتقدروا تساعدوني فعلا .. وياتري فيه سرية في 'تناول' المشاكل
بحلق الموظف في وشها لحظة وابتسم وقال : 'تتناولي' إية الأول .. شاي وللا فطار
هي : شكرا
الموظف : أنا مش باعزم .. دة سلو المكتب .. ان شاء الله نساعدك .. وطبعا فيه سرية تامة .. بس لازم تاخدي حاجة .. وكمان لازم تفتكري الجملة دي 'احنا هنا لخدمتك' .. اتفضلي
بدأت الحديث بحذر : أنا مسلمة وموحدة بالله عقدت قراني في المسجد ولم يكن إكليلا في الكنيسة .. ولكن زواجي : زواج أقباط
الموظف : الله أكبر .. يامدام بالراحة عليا محسوبك حمار .. والكلام دة عايز نعمل دماغ علشان نفهمه .. تاخدي قهوة
عادت تؤكد .. إنني أقصد المعني الخفي .. ما كان ليزعجني قيد الزواج الأبدي ذاك لولا الألم .. إنني لا أستطيع مجرد التفكير في الطلاق .. أنا حقا أخشي مجرد النطق بالكلمة .. أحيانا أفكر أنه أمر حدث ويحدث .. حدث علي عهد الرسول 'ص' وحدث منذ عشرين عاما لابنة عمي وحدث لزميلتي في العمل .. إذن فهو أمر غير محرم دينيا وغير مرفوض عائليا ومتكرر اجتماعيا .. صح
الموظف وهو بيحاول يركز : تمام مضبوط ياست الكل
هي : أحيانا أفكر أن الإنسان يستحق فرصة أخري .. هو ذاته .. نصفي الآخر .. يستحق فرصة أخري .. كل ما في الأمر أننا لا نقوي عليه .. يصيبنا الجزع عندما نصل للنقطة التي يجب بعدها إعلان هذا الأمر .. نقف علي حافة الكلمة غير قادرين علي نطقها .. ندرك أنها إعلان فشل .. إشهار إفلاس
الموظف : ممم .. لحظة يامدام أنا باكتب وراكي .. واحدة واحدة .. حافة إية قلتي
يبدو أنها لم تسمعه وأكملت : يدفعنا تكرار هذه اللحظة إلي التفكير فيها كل علي حدة .. أعرف أنه يفعل مثلي تماما .. لكنه يأتي في النهاية قائلا : فلنفتح صفحة جديدة .. وصلنا إلي عدد لا نهائي من الصفحات الجديدة التي اصفرت وصارت ندوبا في حياتنا .. ربما لأنها تبدأ في كل مرة بذات الديباجة : أنت المرأة والأم وعليك إبقاء هذا البيت .. عليك تقبلي كما أنا فأنا لا أتغير .. أنت أكثر مرونة وحنانا مني
ونبدأ في سطر الآلام الجديدة واحدا بعد الآخر حتي تمتلئ الصفحة .. ونبدأ صفحة جديدة أخري
الموظف : ياحلاوة شوفي الصدفة .. أنا كمان باقلب صفحة جديدة .. ياسلام استرسال فظيع عندك يا مدام .. أيوة كملي حضرتك
هي : أفكر أحيانا أنني ربما مازلت أحبه كثيرا لدرجة عدم تقبلي لفكرة طلاقي منه .. الحق أنني أستريح لهذا الخاطر .. أن يكون الحب محركي
الموظف : يخرب بيت رومانسية أبوكي ياشيخة
هي'لا تسمعه' : ولكني أراه محركه أيضا ليبقيني .. هو يحبني أدرك ذلك .. ولكنه ذلك النوع من الحب الذي ينشب مخالبه في القلب ويدميه
الموظف'بيتصعب' : ليه بس كدة
هي : أفكر أحيانا أن علي أن أتنازل عن رغباتي الصغيرة فماذا تعني أمام سعادة أسرتي .. لكني أعود وأفكر أنني بتنازلي عن طلب صغير وآخر وآخر أصبحت لا أفعل أي شئ أرغبه .. لم أعد أنا
الموظف : أيوة يا مدام شاطرة .. إياك تطاطي .. دة إية الإفترا دة
هي : أفكر أحيانا أنني أصل لسلام نفسي عندما أتخيل حياتي بدونه وأنني أصبحت حرة .. وحيدة .. هل سأهنأ بما أنا فيه وأفعل ما حرمني منه لمجرد فرض سطوته .. هل سأشعر 'بطعم' النجاح الذي يتأجل لغيرته منه .. ومن سأشاركه ذاك النجاح حينها .. هل سيكون جميلا أن أشرب نخب نجاحي وحدي وحولي جدران صامتة
الموظف صامت تماما
وهي تنظر إليه وكأنها لا تعرف من هو ولا أين هي .. وتكمل
هي : كل ما في الأمر أن مشكلتي بداخلي وداخله .. ولم يكن يجدي أن نلجأ لأحد لنحكي له ما قد يضحكه .. لهذا كله تحول زواجي لزواج أقباط .. هناك خيط غير مرئي يجمعنا ويجعلني غير قادرة علي تركه رغم الألم .. هل فهمت ما أقصده .. أستاذ .. أستاذ .. حضرتك معايا
الموظف : أيوة يا فندم .. مش شايفاني كنت باكتب ملاحظاتي وعمال أهز في راسي .. قصدك ان فيه قوة عليا هههه زي بتاعة أحمد مظهر في الأيدي الناعمة
هي : طيب .. تنصحني بإية
الموظف بعد تلات ثواني تفكير : بصي حضرتك .. إنت قدامك كذا حل .. الأول : إننا نتصل بوزارة التنفيض الشديد ونخليهم يطحنوه ويعلقوه لغاية ما تقولي بس .. وتبريقة عنيكي دي بتقول إن الحل دة مش عاجبك باين عليكي سنستيف ومش عنيفة .. نروح للتاني : إنك تتصرفي كأي ست ويكون ليكي يا روح خالتك رد فعل وتنكدي علي أهله لغاية ما هو اللي يجيلنا هنا .. هو اللي يقعد قعدتك دي ويدور زيك كدة علي حد يبعبع معاه .. المفروض تجمدي كدة بس اسبهلالك دلوقتي بيقول إنك في دنيا تانية .. أنا اللي غلطان إني باسلم ودني لأشكالكم دي .. بصي يا قطة .. الحل الأخير عندي إنك تعيشي جزمة وتموتي جزمة ودة أنسب حل شايفة لايق عليكي بصراحة .. تشربي إية بأة .. استني رايحة فين إوعي تكوني زعلتي أنا راجل صريح واللي في قلبي علي لساني .. وقعيلي هنا لو سمحتي .. أنا كنت عمال اسمع الهجص بتاعك دة عالفاضي وللا إية .. دة حدوتتك دي هتأكلني أحلي عيش الشهر دة .. فتحتيلي نوافذ للحوافز .. دة غير إن المكتب دة معمول أساسا لإحصاء حالات هتك النفس مش مكافحتها .. اليافطة الخربانة اللي متعلقة برة دي هي اللي خلتني أتعرف علي سعادتك .. فرصة سعيدة بجد .. وكل ما تتهتك نفسك ياريت تيجي علشان احنا بنحصي مش ساكتين .. مش قلت لك في الأول افتكري الجملة دي : احنا هنا خدامين أبوكي .. قصدي أبو سعادتك