رمزي كان رجلا والرجال قليل.. كان موظفا منذ بداياته الأولى متمرسا في الوظيفة ومحبا لها ..وكان زوجا لسيدة ترتدي السواد طوال حياتها.. فكلما مات أحد أفراد عائلتها الكبيرة ارتدت السواد زمنا طويلا وقبل ان تتحول الى ارتداء الرمادي يموت آخر.. وهكذا
وهكذا كان يحيا في مأتم دائم إن لم يكن ببكائياتها وذكرياتها عن الراحلين والإيشارب الأسود فوق رأسها فهو يحياه بأحاديثها الداكنة وتحفظها الزائد عن كل حد.. كانت امرأة ريفية حتى الثمالة تعتز بالذهب الأصفر وبتربية الطيور فوق سطح البيت.. دعمته بإرثها حتى بنى عمارة من عدة طوابق في بلدتهما الصغيرة
.. وكان رمزي مشغولا عنها بتربية الأولاد الذين ابتعدت عنهم لحالها بعد أن شبوا عن الطوق ..فقد كانت امرأة بعيدة عن الحياة لاهية عن أي جديد بمتابعة أحاديث سيدات العائلة ونميمتهن .. لكنها كانت صدرا حنونا وإن كان لا يقدم حلولا لمشكلاتهم .. وعندما ابتعدوا واستقلوا كما يفعل كل الأبناء تقلصت حياتها
وماتت السيدة الفاضلة
ووجد رمزي الحزن يعتصر قلبه لفراقها وكأنه كان عاشقا لها
غريب أمره.. فهو يتذكر أنه كف عن مغازلتها منذ ما يزيد على ثلاثين عاما.. لكن الحزن كاد يقتله وهو يرى مكانها غائرا فارغا على الأريكة التي قضت فوقها ثلاثة أرباع عمرها
أما أشياؤها المتناثرة هنا وهناك فقد نالت من قدرته على الاحتمال .. ولهذا قرر الاستقرار في العاصمة بجوار عمله بعد أن كان يقطع مسافة طويلة يوميا ليبقى بجوارها بدون سبب واضح
كان رمزي لا يتذكر بالفعل سببا واضحا لارتباطه بها غير أنها "أول بخته" .. أول امرأة دهمته بها الحياة .. ولم يكن لديه الوقت ليرى نفسه في عيون امرأة أخرى لا ترتدي السواد
وبعد.. فقد قضى رمزي في حزنه حوالي الشهرين أتم فيهما مراسم الأربعين ولاحظ أن سيدات عائلتها الحزانى عليها قد تحولت أزيائهن إلى الرمادي في اليوم الواحد والأربعين
وعاد رمزي إلى عمله منكبا عليه محاولا سطر نقاطا بيضاء في سجله الوظيفي الذي يقارب على الانتهاء ..ولكنه أدرك أنه صار وحيدا فاقترب من الزملاء ليقضي على وحدته قبل أن تقضي عليه .. ألم يذكر الحكماء ذلك؟ا
وفي ذلك الوقت بدأ يشعر بوجود ثريا .. الأرملة المجنونة كما يلقبها الجميع.. تقترب هي الأخرى من سن التقاعد وتحيا وحيدة بعد زواج الأبناء لكنها مستقلة ذلك الاستقلال الذي يخيف الرجال ..ورمزي وإن كان في سن التقاعد إلا أن ريفيته الفجة منعته من إبداء أي بادرة لها
لكن زواجهما حدث
منفردين
بلا عائلة أو أولاد يعلمون
لقد هربا من مواجهة الأبناء خشية رفض قد يطول وهما لا يملكان من الوقت الكثير
واستمر الأمر شهورا .. يلتقيان خفية كمراهقين .. وشعر رمزي لأول مرة بالحياة تدب في روحه .. لأول مرة يشعر بامرأة بجواره .. امرأة تعلم عنه الكثير دونما حديث .. امرأة تبهره بذكائها .. لعله أحب ذلك الذكاء .. امرأة راقت له رغم أنوثتها المتخافتة .. لعله أحب تلك الأنوثة
ومرض رمزي
ولكنه لم يفعل غير إحضار ابنته لتعني به .. لم ينتهز الفرصة ليخبر أحدا عن أمرها .. وهي انتظرت حتى أتم شفائه .. لتطبع على جبينه قبلة فهم
هل خبا بريق ما؟ا
هل انطفأت جذوة بعد حين قصير؟
لقد بدأ رمزي يرى فيها حرية لم يعهدها وحياة موازية لا يتحكم بأزرارها .. رأى امرأة لا تقضي ثلاثة أرباع عمرها على أريكة .. بل تذهب إلى ناد وتهنأ بصحبة الأصدقاء
لم يكن عدلا أن يغير حياتها .. أو يحتمل في صمت
لقد اتفقا بلا كلمات على انهاء الأمر.. وخرجا بعد الطلاق ليتناولا الغداء في مطعمهما المفضل .. وافترقا كل في طريق
....
قالت له تهاني جارته وهي تغادر بيته : ليس عدلا أن نستمر ومن الحمق أن نبتعد .. لكن الحمق مفيد في حالنا
...
وودعته منال بقبلة طويلة قبل أن يوقعا ورقة الطلاق قائلة : أدرك تضحيتك لأجل فتاة كان الأحرى أن تكون ابنتك
...
وقالت سلوى