في إطار محاولاتي الدؤوبة لترتيب الأشياء.. والأشياء دوما وكما تعلمون في حالة احتياج لترتيب وإعادة ترتيب لأنها تتكاثر في الدواليب والأدراج والأرفف بشراهة .. عثرت على الكثير منها الذي اندثر وعلاه غبار الزمن.. الزمن القريب السريع المرور الكثيف الغبار
وجدت في الرف العلوي من المكتبة شئ عزيز كنا نستعمله زمان .. شئ اسمه الفيديو .. وقد كان للفيديو مكانة هامة في بيتنا ومعظم البيوت حيث كان هو النافذة الوحيدة لرؤية أفلام أخرى غير تلك المقررة علينا في قناتي التليفزيون اليتيمتين.. أفلاما مؤجرة لم تفلح في إفساد الفيديو الياباني أصيل المكونات ..وكان كذلك يعينني على تسجيل أفلاما عديدة لأراها وقت ما أريد.. ويساعدني في الترفيه عن طفلتي برؤية برامج وأفلام كارتون مسجلة وقت احتياجي لذلك.. وأذكر فضله كذلك في تسجيل البرامج التعليمية قديما جدا رغم أني لم أشاهدها أبدا بعد تسجيلها.. لقد كان للفيديو وضع حيوي وفعال تراجع بحكم الزمن حتى صار أشبه بقطعة أثرية
وبعد أن لملمت الفيديو وأسلاكه ليذهب إلى سحارة التاريخ صادفني على رف مجاور مغلق علبة غريبة الشكل لم اتذكرها لأول وهلة ..وبعد أن تأملتها جيدا اكتشفت انها الأتاري القديمة !!! ولم أتوقف لأتسائل أصلا عن احتياجي لها من عدمه فالإجابةمعروفة .. لأن الجهاز التاريخي انتقل مع زوجي إلى بيتنا كوسيلة ليتخلصوا منه بدون تأنيب ضمير
وتذكرت بعض التوابع الصغيرة .. شرائط فيديو لا حصر لها كنت اشتريها خالية بالدستة وأخرى تمتلئ باللحظات العائلية المختلفة ..وكان علي لملمة كل تلك الأشياء معا .. فماذا تفيدالشرائط بعد اندثار الفيديو .. وهنا تذكرت كاميرا الفيديو التي تزن حوالي نصف كيلو وشرائطها الصغيرة والتي سجلت عليها لحظات كثيرة ومناسبات عديدة .. وفكرت هل ألملم كل هذه الأشياء بعد أن استبدلناها بالكاميرا الديجيتال وتسجيل مشاهد الفيديو على التليفونات المحمولة !! وقررت فعل ذلك لتحقيق هدفي الأول وهو الترتيب .. وقررت كذلك بنية خالصة إعادة البحث عن ذلك المحل القديم مجددا لتحويل ثروتي من شرائط الفيديو إلى سيديهات
وتوقفت مرة أخرى .. فنحن توقفنا تقريبا عن استخدام السيديهات ومن قبلها الديسكات وحلت محلها الفلاشات.. وهكذا أخذت طريقي للملمة الديسكات والسيديهات ونقلها هي الأخرى إلى سحارة التاريخ بعد أن توحشوا في عدة أدراج متجاورة.. وفي أثناء ذلك وقع بصري على الكاسيت الذي كان يوما ما يعمل هو الآخر بالسيديهات بالإضافة إلى شرائط الكاسيت !! تلك الشرائط التي كنت استخدمها أيضا في الاستماع لأغاني المفضلة على الووكمان القديم الذي حل محله الإم بي هات بأرقامها المختلفة.. وذهبت إلى درج الشرائط لأفرغه هو الآخر وأملأ حقيبة كبيرة بذكريات لا نهاية لها .. وصار مصير الجميع كما هو متوقع.. سحارة التاريخ
وامتدت يدي إلى الدرج السفلي لأجده يمتلئ لآخره بألبومات الصور !! تلك التي كنت أضم في كل واحد منها صور مناسبة معينة بعد تحميضها في الاستوديو وادون على غلاف الألبوم الداخلي تاريخ وملحوظة عن الحدث .. ووجدت لطفلتي الأولى أكثر من عشرين ألبوما حيث كنت أحرص كل شهر منذ مجيئها للحياة على تصويرها وحدها فيلما كاملا أي حوالي ستة وثلاثين صورة باستخدام الكاميرا الفوتوغرافية القديمة ذات الفلاش والبطارية القلم .. ولكني تركت الألبومات مكانها لأن مطالعتها متعة لا حد لها و قررت طبع الصور التي التقطها الآن يالكاميرا الديجيتال وتخزين الصور في ألبومات كما كنت أفعل رغم ان الأوقع أن أحتفظ بصور الألبومات عن طريق سكانر على جهاز الكمبيوتر أو الفلاشات لكني بالفعل أميل إلى تصفح الألبوم وأنا في حالة استرخاء مستخدمة يدي في طي الصفحات بدلا من الماوس.. هذا القرار يتكرر منذ توقفت عن التحميض في الاستوديو بلا تنفيذ !! ولكني طبعا سأحافظ على تصنيف الصور العائلية في ملفات على فلاشات إلى حين انقضاء عهد الفلاشات .. ولكني في النهاية لملمت الكاميرات الفوتوغرافية القديمة والشرائط وكل الأشياء كل الأشياء لأحتفظ بها - لا أدري لماذا- في سحارة التاريخ
في كل الأحوال فمعظم الوسائط السابق ذكرها كانت وكما يقال وسائط أحادية - أي وسيلة نقل معلومات لي فقط - أمتعتني في وقت وجودها كثيرا وكانت حلقة في تطور -مجرد حلقة لم تحافظ على كياناتها من الانقراض وتوارت لتسمح ببدائلها في الوجود لكني أدين لها بالكثير وإن كانت قد صارت تاريخا بأسرع ما يكون
وجدتني بعد ذلك كله قد لخصت حياتي الماضية أو كثير منها في حقائب ووضعتها بعناية في تلك السحارة
التي ربما يفتحها أولادي يوما ويضحكون .. وينظرون إلى تاريخي نظرة استخفاف
.. وكيف لا يفعلون وأنا نفسي أتعجب من تسارع الزمن ومن تطور وسائل استمتاعنا واحتفاظنا بذكرياتنا ومن رغبتي العظيمة التي أشعر بها تؤرقني من الآن للاختباء في بعض الأحيان وحدي للعبث في سحارة تاريخي