Tuesday, July 31, 2007

عليــــــاء


photo copy rights to:Aleksandr Zhadan

عندما يتحول المرء إلى شبه آلة.. وتسير كل الأشياء على نفس الوتيرة.. وليس هناك من لحظة.. يمكنك فيها البحث عن حجر تلقيه فى بحر الحياة الآسن.. وترقب تلك الدوائر التى تتسع و"قد" تبتلع سكونك.. هنا .. قد تبحث عن لحظة غير تقليدية.. شىء .. يهزك من الداخل..
يزلزلك

وفى لحظة من تلك اللحظات.. داهمت مخيلتى..تلك الشخصية الغير تقليدية.. وتسائلت بينى وبين نفسى عنها ..ترى أين ذهبت؟ وكيف سارت حياتها؟
علياء.. زميلتى القديمة..تلك التى تركت بصمة مجنونة فى عقلى وكيانى لاختلافها.. وهذا الاختلاف لم يكن إيجابياً فى أغلب أحواله.. لكنه اختلاف جدير بالتأمل
كانت هى أول من تلقفنى فى أول أيامى بالمدينة الجامعية التى انتقلت للحياة فيها فى أول دراستى بعيداً عن أسرتى.. كانت أكبر منى بعام واحد.. لكنها تعيد العام الدراسى الأول فى الهندسة .. وكان أول مواقفها شائكاً للغاية.. حيث كنا نسكن ثلاثاً فى غرفة واسعة واحدة.. واختارتنى علياء ..وظللنا اثنتين حتى ظهرت مريم الفتاة المسيحية بنفس كليتنا.. وأقامت علياء الدنيا وأقعدتها لتسمح الإدارة لمريم بالبقاء معنا حيث كان العرف السائد أن تحيا المسلمات معاً والمسيحيات معاً.. وكانت مريم كالملاك.. وبدأنا الحياة معاً..أيام لن أنساها أبداً
علياء التى يحيا أهلها فى الكويت وأرسلوها لتلتحق بكلية طب الأسنان ..نقلت أوراقها بقرار فردى إلى كلية الهندسة.. بعد تجربة شهر فى طب الأسنان..وبعد رسوبها لم تبلغ أهلها.. وظلت تكافح وحدها فى الكلية
ومريم.. كانت هى من تركت امتحانها لتظل معى عند مرضى.. وجاءت علياء لترغمها على الذهاب.. ولتمارس معى دور الأم.. تضحكنى بنكاتها الوقحة التى كانت تشكل لى صدمات.. ولكنها لا تتوقف رغم الألم الذى تخلفه ضحكاتى

وظللت ابنة افتراضية لها.. تمنحنى نصائحها التى كنت أعرف أنها مائة بالمائة خطأ.. تمارس كل الاخطاء بنهم شديد.. وتسخر حتى من نفسها.. ربما كان إحساسها بإهمال الأهل لها سبباً فى جنونها المقيم
فارقت علياء التى استمر رسوبها بشكل دائم.. وذلك عندما اضطررت لرفقة أخريات فى بداية كل عام دراسى.. ولكنها أخذت قراراً مجنوناً آخر.. كانت تعيد الامتحان فى سنة أولى كهرباء قوى لثالث مرة.. عندما قررت ألا تدخل الامتحان.. صممت إلى حد إغلاق حجرتها على نفسها وإهمالها لنفسها.. وبكائها المستمر.. وصراخها فى وجهى عندما كنت أحاول إعادتها إلى صوابها
ومع آخر عام دراسى لى فوجئت بها قد نقلت أوراقها إلى كلية الفنون التطبيقية.. وفى نهاية عامها الأول هناك التقيتها.. نالت تقدير امتياز.. وجدت نفسها أخيراً.. عندما رأيتها تلك المرة كانت مشرقة .. مستقرة نفسياً إلى حد كبير.. ما زالت وقحة .. لكنها ما زالت تضحكنى من القلب
واختفت علياء من حياتى.. تغيرت أرقامها وأرقامى.. وتاهت منى فى زحام الحياة.. لكنى ما زلت أبحث عنها
أبحث عنها كلما وجدت نفسى أسير على نفس القضبان.. ورغم أن سرعة سيرى ليست جنونية.. لكنى مقيدة.. لم يمكننى يوماً اختبار قرارات حرة مثلها.. ظل لسانى مقيداً بالعيب رغم أنى فى أحيان كثيرة كنت أود سب شيئاً ما أو أحداً ما
لقد أساءت لنفسها فى اوقات كثيرة.. وأساءت لحريتها.. ولكنها تظل أمامى نموذج بحث كثيراً حتى وجد نفسه..ووصل إلى طريق يود إكمال السير فيه
ربما .. هى ليست ذلك النموذج المثالى الذى يصح تذكره.. لكنى أحبها.. وأظننى انجذبت أكثر من مرة بعد ذلك لنماذج مشابهة.. كأننى أجد فى هذه الصورة المناقضة لى.. ما يثلج صدرى
إننى أذكرها كلما اشتد ضغط عقلى.. كلما نظرت إلى الأسفل فوجدت قضباناً محددة مرسومة بعناية
وكلما حاولت الصراخ.. وماتت صرختى