Wednesday, January 17, 2007

لك التحية والأسى .. أيتها الزوجة الراحلة

لعله تفكيرى الخاص جداً فى هذا الشأن هو ما دفعنى للتعجب والإحساس بالأسى اليــــوم

أعترف أنها عقدة، اكتشفت وجودها منذ سنوات عندما صدمت صدمة كبيرة فى كاتب كنت اعتز بكتاباته كثيرا، وهو الكاتب صلاح منتصر صاحب عمود مجرد رأى الشهير فى الأهرام، لقد ظللت شهوراً أتابع قصة مرض زوجته العضال، ومعاناته معها فى مراحل العلاج المختلفة، وبكائياته وآلامه التى كنت أستشعرها فى كتاباته حتى عن مواضيع وقضايا عامة، وماتت الزوجة، وعشت معه صدمة الوفاة التى اهّلنى لها، وتابعته بعدها بكثير من الاشفاق والعطف وأنا أدعو الله أن يتحمل قادم الأيام بجلد
وبعد شهور
تزوج
نعم.. لقد تزوج بمنتهى البساطة كغيره من البشر الذين يفعلون ذلك الفعل بدون أى لائمة من أحد
لكنى لم أحتمل، وسقطت فريسة كره شديد للكاتب الذى كان كل ذنبه أنه شهير ووقع فى دائرة الضوء الخاصة بلعناتى
وعندما لاحظ زوجى لعناتى التى تنهال علي الرجل بلا جريرة ولا سبب كلما جاء ذكره ،تنبه لما أعانيه وذكرنى بحالة عشنا أحداثها لقريب فعل نفس الشىء ووجدنا له جميعاً العذر- ما عداى طبعاً- لصغر سن اطفاله وأنى يجب على عدم التعميم

وعندها اكتشفت تلك العقدة الخفية بداخلى ،ولا أخفى أنى كوّمتها بمنتهى الحرص إلى جوار شقيقاتها بعد محاولات ساذجة لعبور الأمر وتمثلت فى مقاطعة جريدة الأهرام (!!) والابتعاد عن كل نموذج مشابه قد يثير عقدتى من مرقدها




قد أكون متحاملة كثيراً فى أمر طبيعى ومشروع ويحث عليه الدين ولكنى أتخيل أن هناك التحاماً غير عادى قد حدث فى حالة الزواج، تعايش إلى أقصى الدرجات واندماج فى تفاصيل الآخر فى كل حالاته
فكيف يمكن لطرف فى علاقة أن يمحيها فى أيام أو شهور، وأن يلغى جزءاً من نفسه تقاسمه مع آخر ليذهب إلى حياة جديدة سعيدة ويعيد نفس المشاهد بابتسامة سعادة
أظن هذا الزواج يكون أكثر سهولة على الرجل من المرأة ولكنه على إطلاقه أكثر صعوبة على نفس صاحبه لو كان عاش بكيانه وروحه مع شريكه ولم تكن مجرد حياة والسلام
أتسائل عن تفاصيل الحياة اليومية ، أليست موجعة لو تم الزواج فى فترة قريبة ، ألا تكون وخزاً فى القلب كل حين؟ ألا تعنى له الكلمات معانى أخرى قريبة إلى الذهن
إنها تلك الخصوصية والتلامس الحميم الذى يصعب على النفس الحية استبداله بسرعة لكنها تحتاج للوقت لتبرأ من ألم الفراق وتبدأ فى محاولة التعايش من جديد

المرأة الأرملة.. كلمة موجعة ،تخرج المرأة من كيانها الثنائى المشترك مع زوجها إلى كيان آخر لم تعتده من قبل، وتجابه المجتمع الذى يطلب منها ابداء الوفاء لآخر مدى، وإظهار القوة والصلابة بعد ذلك لأقصى الحدود وخاصة فى حالة وجود أطفال
orphans are left behind but widows are forced to go on
تذكرت العبارة وأنا أحاول تذكر حالات المرأة التى رفضت الزواج فى محيطى الاجتماعى بعد ترملها فوجدت العديد من الحالات، فى مقابل حالة وحيدة فريدة لرجل -انسان- بدرجة ملاك، منح نفسه لابن وحيد ومكتفياً بذكرى سعادة ماضية محدودة الأمد ومليئة بلحظات المرض، لعله الوحيد الذى صادفته وفعل ذلك دون ان يستبدل قلب بقلب بسرعة ..دقة القلب

لا يمكننى تخيل الأمر حتى لو كنت بلا عقدة خفية ، الإنسان كائن بلا أزرار ولو ادّعى وجودها،ولو تمنى وجودها، ألا نحيا جميعاً بحلم التحكم فى ذواتنا بأزرار برعنا وضعها فى كل شىء، سيتألم حتما لتغيير مفاجىء يطيح بماضيه، مهما كانت سعادته الراهنة
ولكنى لا يمكننى أيضاً الحكم على فلان بأنه خائن لهذه الفعلة، ربما كانت هذه الكلمة التائهة منى منذ بدأت الكتابة، لأنى أرى الذكرى معنى يستحق الاحترام ،نعم، لا يمكننى إطلاق هذا الوصف على من يتزوج ثانية لكنى حقيقة الأمر أرثى له، لأنه سيتعذب ولا شك، فلماذا لا يعطى لنفسه وقتاً لرؤية أوضح وعلاج هادىء لآلامه
ما حدث اليوم.. هو ما دفعنى لسطر كل هذه الأفكار ، لقد دخل الرجل إلى المكتب ، هادئاً ، ومحيياً للجميع، لم أكن أعرفه فانا إلى حد ما حديثة العهد فى المكان، قام زميل واقترب منه معزياً وحالفاً انه لم يعلم إلا منذ وقت قريب، فابتسم الرجل ، وأخبره بزواجه
!!!!
الأولاد يحتاجون للرعاية وخاصة انه كان مسافراً طيلة الوقت( مما يعنى أن زوجته كانت أباً واماً فى آن واحد) ولكنه الآن استقر اخيرا لإحساسه بحاجة اولاده إليه( ألم تحتاجه تلك الزوجة الراحلة ولكنه مضى تاركاً إياها وحيدة حتى الممات) ، الجميع انتبه لكلماته، وخيم الوجوم على الوجوه، شعر بانه يحتاج ليوضح لكن لم تسعفه الكلمات، واحتار الآخرون ، أيعزونه؟ أم يباركون له الزفاف السعيد؟
شعرت بالأسى ، له وللراحلة وللاولاد وللزوجة الجديدة التى تبدو وكانها الرابحة الوحيدة ولكن كيف لنا ان نعلم مايحيونه بعد زواجه فى فترة شهرين اثنين فقط لا غير
الامر كله مثير للــــ .. لا أجد الكلمات المناسبة
لكنى أذكر دعوة امى رحمها الله عند مرض أبى: ربنا يجعل يومى قبل يومك
وأذكر كذلك أنى لم اسمع أبى يوماً يدعو دعوة مماثلة
!!!!!
وربما لهذا استجاب الله لدعائها.. رحمها الله