هو التقارب إذاً
لم أستطع تفسيره، فقد حدث فى فترة قصيرة جداً رغم الخمسة عشر عاماً التى تفصل تواريخ ميلادنا، هل اعزى هذا التآلف إلى مسايرة تفكيرها ليتلائم مع أفكار زوجة مخضرمة، أم إلى حاجتها إلى الحكى مع من هو أكبر فقط، أم حاجتى أنا للتزود من أفكار أراها جديدة ولكنها ممتعة إلى حد بعيد، أظن أن علي ألا أشغل بالى بالتفسيرات وان أتلمس الدفء فى صداقتها كما تفعل هى تماماً
جمعنا تاريخ مشترك فى بادىء الامر عن الكلية التى تخرجنا منها، وأحاديث ضاحكة عن المعيدين والدكاترة على عهدى والذين صاروا دكاترة ورؤساء أقسام على عهدها، ولكنى لا أخفى إعجابى باختلافها عمن هم فى مثل سنها حيث يعشش فيهم خواء فكرى غريب، ولا يكادون يفقهون شيئاً ممن يدور حولنا، بينما هى أسعدتنى بكلماتها عن تقاربنا الذى افتقدته فى قريباتها اللاتى فى مثل سنى، وعرفت منها بعد حين بأمر خطبتها، كان جارها الذى لم تره من قبل لسفره الدائم، وروت لى كيف تمت الخطبة بعد لقاءات معدودة أثناء اجازته، التى سافر بعدها وظل ما بينهما رسائل موبايل مقتضبة واحاديث تليفونية مبتورة تحدد موعداً للجلوس إلى الشات
أرقّها بشدة أنها لم تعرفه جيداً وكانت مرتعبة من فكرة الزواج فى الأجازة القادمة والسفر معه إلى المجهول، كانت تأتينى فى كل لقاء سائلة إياى هل معنى قوله كذا أن هذه سمة شخصية فيه؟ لا أستطيع تحديد ما إذا كان يهرج أم جاداً فى حديثه ماذا أفعل؟ سأجن، الكاميرا لا تنقل لى ملامح وجهه بدقة وهو يتحدث، وهكذا، وقد كانت اجاباتى ترتدى ثوب الناصح الامين فقد حاولت دفعها لمعرفته أكثر وإطالة أمد الحديث معه، واختلاق المواقف التى تتطلب ابداء رأياً واضحاً، ولكنه عندما عاد فى إجازة عيد قصيرة أظهر سلبية فى موقف تطلب منه الحسم فلم تتردد فى فسخ الخطبة
أظنها لم تعان من هذا الأمر عاطفياً على الأقل، لكنها كانت تحيا إحساس المطلقة، وتردد أن الناس قد حسبوا الأمر عليها سابقة شروع فى زواج، وعندما جائها خاطب آخر وثالث بنفس المواصفات، الزواج السريع نتيجة للسفر كانت ترفض بإصرار، ولكن مع الخاطب الرابع الذى كان أيضاً مسافراً أيقنت أنها إرادة القدر، ولم تقاوم، وتمت الخطبة وعادت إلى الشات مرة أخرى، لكنها لم تكن تحمل ذلك الفضول الأول ، كانت تبدو مستسلمة تماما، ولكنى شعرت بها حذرة متوجسة، ومع الوقت بدأت تتفتح مشاعرها مرة أخرى وتسمح لنفسها بمحاولة معرفته، ولعلها الآن فى أسعد أوقاتها ،
ورغم سعادتى لسعادتها فإن إحساساً بالقلق عليها يغمرنى ولا أصارحها به
فكرة العريس المسافر والمقترنة بالزواج السريع لاتروقنى أبداً، فكيف تصل إلى تلك العادات الخفية التى لا تُظهرها غير المواقف المُعاشة واحتكاكه بها وبالعالم وباهلها، وكيف تتولد بينهما فى بدايات العلاقة تلك المشاعر الجميلة بينما تفصل بينهما المسافات، إنها تحيا نفس المشكلة الأولى ولكنها تُكابر مدفوعة بأسباب كثيرة منها فكرة حتمية الزواج السريع بعد سابقة خطبتها، وطنين الاهل والأصدقاء من حولها انها تحيا الفترة الذهبية من عمرها التى تؤهلها لنيل الزوج، لقد تخرجت من الجامعة دون أن يخفق قلبها إذن عليها أن تكرّس جهودها لنيل العريس ولو جاء على أجنحة الطائرات، بالعكس ،إنها دلالة على حياة أرغد فيما بعد وعليها أن تعتبر نفسها من المحظوظات
أعلم بكل هذه الضغوط ولا حيلة لى بنصحها أن تتحاشاها، وتختاره بعقلها وقلبها معاً، فهو كلام نظرى غير قابل للتطبيق وهى فى منتصف الطريق
رغم اقتناعى بتقاربنا الشديد واشتراكنا فى كثير من الآراء والإنفعالات التى بدأت تاخذ تواصل روحانى بعيد المدى، إلا أننى شعرت الآن فقط بأننا من جيلين مختلفين تماماً، شعرت بأن ما كان مستغرباً ان تفكر فيه فتيات القرن الماضى أمثالى صار عادياً ومألوفاً لدى فتيات القرن الواحد والعشرين، ففى حدود صداقاتى القديمة كنا جميعاً رومانسيات للدرجة التى جعلتنا نحارب من أجل من نحب، ونتمسك باختياراتنا، كنا عاطفيات للدرجة التى جعلت إحدانا وهى طبيبة تتزوج من هو أقل منها فى المؤهل كثيراً متحدية عائلتها، وأخرى لم تبال براتب خطيبها موظف الحكومة وأصرت على مساندته والعمل حتى يكوّنا بيتهما معاً، كنا جميعاً بنفس الفكر ولكنى لا أنكر وجود الاستثناء والذى تمثل فيمن وقعت أسيرة شهرة زوجها الطبيب وتزوجته أثناء دراستها ، ولا أدعى بعد كل هذه السنين أننا جميعاً سعداء، فتيارات الحياة تغير الكثير مما توهمناه، ولكن يبقى ذلك الشىء، ذلك الدافع الذى يجعلنا نتمسك باختياراتنا وندافع عن سعادتنا، ولا نرجع كل حين للأهل قاصدين دعمهم فيما عجزنا عن حله، ولسان حالنا يقول ، أنتم السبب، لم نفعل ذلك، ولكنى أظن فتيات هذا الجيل فاعلات بكل تأكيد، فما أراه الآن يقلب الموازين تماماً، فرغم زيادة تحرر الفتيات بعض الشىء وزيادة طرق اختلاطهن بالآخرين إلا أن هذا كله لم يزد من حالات الارتباط العاطفى العفيف قبل الزواج، لأن معظم الفتيات تغيرت مفاهيمهن، وأصبح من الغباء الارتباط بمن هو فى أول الطريق ولا يقدم لها شبكة كشبكة فلانة أو شقة كشقة علانة، ربما صرن أكثر مادية نتيجة لمتغيرات الحياة التى فرضت نمطاً استهلاكياً يتطلب سقفاً عالياً من الغِنى لا يتوافر بالطبع عند كثير من المقبلين على الزواج
لعل تفسيرى يسقط فى بئر التعميم، ولكنه ما أراه حولى ويفرض نفسه على أفكارى التى أظنها صارت بالية وغير موائمة لهذا العصر، ولكنى ما زلت أتعجب من علاقة الأساس فيها من يدفع أكثر، وليس مهماً أن نتوافق أو نختلف أو نعرف بعضنا من الأساس
أخبرتنى صديقتى الصغيرة فى آخر لقاء لنا أنها بدأت تحبه، ولو أنها لا تتخيل فكرة السفر مع غريب إلى بلد غريبة، وأنهت كلماتها قائلة: أتعرفين ماذا سأفتقد بعد سفرى -غير حديثى معك طبعاً؟ ولما أجبت بالنفى قالت: سأفتقد الشات معه،هل تظنينه سيقبل أن يبادلنى الغرام فى بيتنا من خلال الشات؟
!!!!